أصبحت شاشات اللمس اليوم جزءًا لا يتجزأ من الحياة الرقمية؛ من الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية إلى الحواسيب المحمولة، أجهزة الصراف الآلي وأنظمة نقاط البيع. ومع ذلك، على عكس الاعتقاد الشائع، تمتلك تقنية شاشات اللمس تاريخًا أطول بكثير وكانت النماذج الأولى لها تعود إلى عقد ١٩٦٠ الميلادي.
لكن السؤال الأساسي هو متى وبواسطة من صُنِع أول كمبيوتر بشاشة تعمل باللمس في العالم بالضبط؟
الإجابة على هذا السؤال تعتمد إلى حد كبير على تعريفنا لـ «الكمبيوتر الشاشي» باللمس. طُوّرت النماذج الأولى لتقنية الشاشات اللمسية في عام ١٩٦٥ الميلادي بواسطة «إ. إ. جونسون». لقد صمم نظام لمس ليُستخدم في أنظمة التحكم في حركة الطيران.
هذه التقنية، رغم كونها رائدة، لم تكن تُعد حاسوبًا شخصيًا بالمفهوم الحديث وكانت تطبيقاتها محصورة في بيئات متخصصة للتحكم بحركة الطيران.
من الأنظمة العلمية إلى تعليم التلاميذ
بعد تطوير التقنيات اللمسية الأولى، استُخدمت نماذج أخرى أيضًا في البيئات المتخصصة.
من بين هذه النماذج يمكن الإشارة إلى أنظمة التحكم اللمسية المطوّرة في CERN للمعدات العلمية وكذلك PLATO IV. عُرِف PLATO IV الذي طُرِح عام ١٩٧٢ بكونه محطة تعليمية مزودة بشاشة لمس صُممت للمساعدة في تعليم التلاميذ.
مع ذلك، ظلت هذه الأنظمة أجهزة متخصصة ولم تكن متاحة للمستخدمين العاديين.
HP 150؛ أحد أوائل الحواسيب الشخصية التجارية المزودة بشاشة لمس
إذا كان المقصود بأول كمبيوتر لمسي منتجًا شخصيًا وتجاريًا، فيجب الإشارة إلى «HP 150»؛ المنتج الذي طرحته شركة HP في عام ١٩٨٣.
كان HP 150 من أوائل الحواسيب التجارية التي استخدمت تقنية شاشة لمس للتفاعل المباشر مع المستخدم.
تكوّن هذا النظام من جزأين أساسيين: محرك قرص مرن مزدوج لتثبيت وتشغيل نظام التشغيل وشاشة تضم الجزء الأكبر من العتاد المادي الرئيسي للحاسوب.
كان HP 150 مزودًا بمجموعة من منافذ الاتصال التي أصبح العديد منها أقل استخدامًا اليوم. احتوى هذا الجهاز على منفذي RS-232، ومنفذ IEEE-488 أو GPIB لتوصيل المعدات ومحركات الأقراص الخارجية، ومدخل ومخرج AC ومنفذ RJ-11 لتوصيل لوحة المفاتيح.
هذا الحاسوب، كحال الكثير من أجهزة عصره، لم يدعم الفأرة وكان تفاعل المستخدم معه يتم غالبًا عبر لوحة المفاتيح والشاشة اللمسية. كما كان بإمكان المستخدمين إضافة وظائف أخرى مثل توصيل ملحقات عبر بطاقات التوسعة.
كيف كانت تعمل شاشة لمس HP 150؟
اليوم تُعدّ التقنيات السعوية والمقاومية من أكثر أنواع شاشات اللمس شيوعًا. تكشف شاشات اللمس السعوية، المستخدمة في الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والعديد من الحواسيب المحمولة الحديثة، عن موضع اللمس بواسطة اكتشاف تغيّرات كهربائية ناجمة عن لمس الإصبع.
في المقابل، تتكوّن الشاشات المقاومة من طبقات تتلامس عند الضغط، فيُسجَّل موضع اللمس. لا تزال هذه التقنية تُستخدم في بعض أجهزة الصراف الآلي ونقاط البيع.
لكن HP 150 لم تستخدم أيًا من هاتين الطريقتين. التقنية المستخدمة في هذا الجهاز كانت نظام لمس قائمًا على الأشعة تحت الحمراء أو IR. حول الشاشة وُضِعت مجموعة من المرسلات والمستقبلات تحت الحمراء التي شكّلت شبكة غير مرئية من الحزم الأفقية والعمودية أمام شاشة العرض.
عندما يمد المستخدم يده أو أي جسم آخر نحو الشاشة، تتعرّض هذه الشبكة الضوئية للاضطراب ويمكن للنظام تحديد موضع اللمس.
كانت هذه الطريقة آنذاك تقنية ملحوظة، لكنها كانت تملك قيودًا مهمة أيضًا.
لماذا تخلت عن تقنية لمس HP 150؟
كان نظام الأشعة تحت الحمراء في HP 150 قادرًا على اكتشاف نقطة لمس واحدة فقط في كل لحظة. لذلك لم تكن ميزات مثل اللمس المتعدد والحركات مثل التكبير بإصبعين متاحة فيه.
علاوة على ذلك، تطلّب وضع المرسلات والمستقبلات تحت الحمراء حوافًا أكبر حول الشاشة. كما كان الغبار قد يسدّ فتحات هذه الحساسات ويعيق عمل شاشة اللمس.
دفعت هذه القيود الصناعة التكنولوجية تدريجيًا نحو طرق أخرى بما في ذلك التقنيات السعوية والمقاومية.
هل لا تزال HP تصنع حواسيب لمس؟
بعد طرح HP 150، لم تطرح الشركة منتجًا بشاشة لمس يعتمد على اللمس المباشر بالإصبع لأكثر من عقدين من الزمن.
في عام ٢٠٠٢، قدّمت HP Compaq TC1000 ثم تلاه الطراز TC1100 إلى السوق. مع ذلك، كانت هذه الأجهزة أكثر اعتمادًا على القلم الرقمي ولم تدعم اللمس المباشر بالإصبع بالشكل الحديث.
عاد HP بقوة إلى سوق الحواسيب اللمسية مع إطلاق سلسلة HP TouchSmart في عام ٢٠٠٧. كانت هذه المنتجات حواسيب مكتبية شاملة استفادت من تقنية اللمس بالأشعة تحت الحمراء.
بعد عام، في ٢٠٠٨، قدّمت HP طراز TouchSmart tx2؛ منتجًا غيّر مسار الشركة نحو التقنية السعوية وأضاف دعم اللمس المتعدد.
منذ ذلك الحين، طرحت HP نماذج مختلفة من الحواسيب المحمولة والأجهزة اللمسية في السوق.
اليوم تقدّم الشركة مجموعة واسعة من المنتجات اللمسية لمستخدمين متعدّدين. تسلسلات مثل HP OmniBook وOmniBook Ultra وOmniBook X تقدّم نماذج قابلة للطي والتحول للمستخدمين العامّين.
في المقابل، صُمِّمت عائلات HP ProBook وEliteBook وZBook بشكل أساسي للمستخدمين التجاريين والمديرين والمتخصصين. كما واصلت HP إنتاج أجهزة Chromebook المزودة بشاشات لمسية كخيار اقتصادي.
يُظهر مسار التطور الذي امتد لعقود أن التقنية التي تبدو اليوم أمراً عاديًا في الهواتف والحواسيب المحمولة هي ثمرة عقود من الاختبار والتطوير؛ مسار بدأ من أنظمة مراقبة حركة الطيران وتحول إلى إحدى الطرق الأساسية لتفاعل الإنسان مع الأجهزة الرقمية.