أظهرت دراسة جديدة أن مستويات بعض البروتينات في الدم قد تحمل إشارات مبكرة لانخفاض الذاكرة والتدهور المعرفي قبل سنوات من بروز الأعراض الواضحة. قد يفتح هذا الاكتشاف طريقاً لتطوير اختبارات أبسط بغرض تحديد الأشخاص الأكثر عرضة لمشكلات معرفية مرتبطة بمرض الزهايمر والخرف.
اكتشف باحثو كلية الطب ميلر في جامعة ميامي في سياق هذه الدراسة أن المستويات الأعلى لبروتين اسمه «p-tau181» كانت مرتبطة بأداء أسوأ في اختبارات الذاكرة والقدرات المعرفية بعد ست سنوات، رغم أنه لم تُلاحظ ارتباطات واضحة بين هذا البروتين والذاكرة في بداية الدراسة. هذه النتيجة مهمة بشكل خاص بالنظر إلى اعتقاد العلماء بأن التغيرات البيولوجية المرتبطة بالزهايمر قد تبدأ قبل سنوات أو حتى عقود من ظهور أعراض مثل فقدان الذاكرة.
تفاصيل الدراسة والمؤشرات الدموية
شملت هذه الدراسة، المنشورة في دورية «الزهايمر والخرف: التشخيص والتقييم والمراقبة»، نحو ١١٧٠ شخصاً بمتوسط عمر ٧٣ عاماً. فحص الباحثون في هذه الدراسة أربعة مؤشرات حيوية دموية: p-tau181، Aβ42/40، GFAP وNfL. ترتبط هذه المؤشرات بعمليات مختلفة منها بروتينات مرتبطة بالزهايمر، نشاط خلايا الدعم في الدماغ، وتلف الألياف العصبية. بالمقابل، شملت الاختبارات المعرفية المستخدمة في هذه الدراسة قياس الذاكرة واللغة والوظائف التنفيذية والمهارات البصرية المكانية.
النتائج بعد ست سنوات
أظهرت نتائج هذا البحث أن بروتينَي NfL وGFAP كانا في بداية الدراسة الأكثر ارتباطاً بالأداء المعرفي. لكن بعد ست سنوات، ظهر مشهد مختلف؛ حيث برز p-tau181 بوضوح أكبر وكانت مستوياته الأعلى مرتبطة بدرجات أدنى في الذاكرة والمعرفة العامة. وفي الوقت نفسه، بقي GFAP مرتبطاً بالذاكرة الضعيفة والوظائف التنفيذية والقدرات المعرفية العامة.
قالت ديردره اوشي، إحدى الباحثات في هذه الدراسة، إن p-tau181 لم يكن مرتبطاً بأداء الذاكرة في القياس الأولي، لكن هذا الارتباط ظهر بعد ست سنوات. وبحسب قولها، يشير ذلك إلى أن بعض المؤشرات الموجودة في الدم قد تقدم معلومات حول التغيرات المعرفية المستقبلية التي لا يمكن رصدها في الاختبارات المتزامنة.
تراكم بروتين تاو؛ سمة معروفة للزهايمر
يعد التراكم غير الطبيعي لبروتين «تاو» من السمات المعروفة في أدمغة مرضى الزهايمر. وقد دفع هذا العلماء في السنوات الأخيرة إلى استكشاف إمكانية استخدام أشكال هذا البروتين المتواجدة في الدم للكشف عن التغيرات المرتبطة بالمرض. وقد أُجريت هذه الدراسة في هذا الإطار وتسعى إلى إظهار ما إذا كانت المؤشرات الدموية يمكن أن تُستخدم كأداة منخفضة التكلفة ومتاحة لمراقبة الصحة المعرفية أم لا.
هل يمكن لهذا الاختبار أن يتنبأ بالخرف؟
يحذر الباحثون من أن تفسير النتائج على أنه يمكن استخدام اختبار دم للتنبؤ المؤكد بالإصابة بالزهايمر أو الخرف غير مناسب. ركزت هذه الدراسة أساساً على انخفاض الذاكرة والمعرفة وليس على التنبؤ المباشر بتشخيص الزهايمر في المستقبل. مع ذلك، تشير النتائج إلى أن مزيج مؤشرات مثل p-tau181 وGFAP قد يساعد مستقبلاً في تحديد الأشخاص الذين من المرجح أن يصابوا بتدهور معرفي خلال السنوات المقبلة.
الأهمية السريرية وآفاق المستقبل
يمكن أن تكون هذه النتائج خطوة مهمة في طريق تطوير أدوات تشخيصية مبكرة. يوفر التشخيص قبل بروز الأعراض السريرية فرصة للتدخلات العلاجية، وتغيير نمط الحياة، وإدارة عوامل الخطر. ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل أن تتحول هذه المؤشرات إلى اختبارات سريرية معيارية، وأن هناك حاجة إلى دراسات طويلة الأمد لتأكيد صلاحية ودقة هذه الأساليب. في حال التأكيد النهائي، قد تصبح مثل هذه الاختبارات جزءاً من الفحوص الدورية للمسنين وتساعد الأطباء في الكشف المبكر عن الأشخاص المعرضين للخطر.