هيئة المنافسة والأسواق في بريطانيا (CMA) في أحدث خطوة رقابية لها، نشرت حزمة من الاقتراحات لتوسيع حق اختيار المستخدمين في مجال البحث عبر الإنترنت؛ المجال الذي تسيطر عليه جوجل عملياً بامتلاكها لأكثر من 90٪ من إجمالي عمليات البحث العامة في بريطانيا. الهدف الرئيسي من هذه الاقتراحات هو منصتان تلعبان الدور الأكبر في تشكيل عادات البحث لدى المستخدمين البريطانيين: نظام التشغيل أندرويد ومتصفح كروم.
بموجب هذا الاقتراح، يجب أن يتمكن المستخدمون من اختيار موفِّر البحث الذي يفضلونه بحرية بدلاً من قبول جوجل تلقائياً كإعداد افتراضي. الجدير بالذكر أن CMA هذه المرة تجاوزت محركات البحث التقليدية وتنوي تعديل القواعد المتعلقة بالمساعدين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي؛ إجراء قد يمهد للمرة الأولى الطريق لاختيار خدمات مثل ChatGPT أو Perplexity كخيار افتراضي للبحث على أجهزة أندرويد وكروم.
ثلاثة محاور رئيسية للاقتراح الجديد
الاقتراح الجديد لـCMA يقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً، سيُطلب من مصنعي الهواتف الذكية العاملة بأندرويد وجوجل أن يتيحوا للمستخدمين، عند التشغيل الأول للهاتف أو عند الفتح الأول لمتصفح كروم، اختيار مقدمين مختلفين لخدمة البحث؛ ويُذكَّر هذا الاختيار سنوياً بدلاً من أن يكون لمرة واحدة طوال عمر الجهاز. وفقاً للتقارير المنشورة، يتضمن الاقتراح أيضاً فترة تجريب اختيارية مدتها 14 يوماً يُسأل المستخدم بعدها إن كان يرغب في الاحتفاظ بمحرك البحث الذي اختاره حديثاً أم لا.
ثانياً، يجب أن يتمكن المستخدمون من اختيار واحد من مساعدي الذكاء الاصطناعي المنافسين أيضاً، شريطة أن يفي ذلك الموفّر بمتطلبات فنية وأمنية محددة. حالياً صفحات الاختيار لدى جوجل لا تقدم أي خيار لتعيين خدمة ذكاء اصطناعي كبحث افتراضي وCMA تعتبر هذه المسألة إحدى ثغرات القواعد الحالية.
ثالثاً، سيُطلب من جميع موفري البحث -بما في ذلك جوجل نفسها- عند عرض النتائج أن يذكروا بوضوح المصدر الأصلي للمحتوى ويربطوا إليه حتى يتمكن المستخدمون بسهولة من الوصول إلى المصدر الأولي. هذه الفقرة ترتبط مباشرة بمخاوف الناشرين الإخباريين بشأن انخفاض حركة المرور الواردة من نتائج الذكاء الاصطناعي لدى جوجل مثل AI Overviews.
رد مديرة تنفيذية CMA
سارا كارْدِل، المديرة التنفيذية لهيئة المنافسة والأسواق في بريطانيا، أوضحت بشأن هذه الاقتراحات أن طريقة بحث الناس عن المعلومات عبر الإنترنت تتغيّر وأن ظهور خدمات الجيل الجديد خلق فرصاً جديدة للابتكار والمنافسة في هذا السوق. بحسب قولها، استمعت الهيئة بعناية للتعليقات الواردة وتسعى للرد بسرعة على نمو المساعدين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي -الذين يختارهم المستخدمون يوماً بعد يوم كأدوات أساسية للبحث لكنهم لا يظهرون في صفحات الاختيار لدى جوجل-. الهدف النهائي، بحسب كارْدِل، هو تجهيز الخيارات المتاحة للشعب البريطاني بحيث يتمكنوا مع دخول هذه الخدمات الجديدة إلى السوق من اختيار خدمة البحث التي يرغبون بها.
السياق الذي طُرح فيه هذا الاقتراح
تأتي هذه الخطوة الجديدة ضمن سلسلة من قرارات CMA الرقابية ضد جوجل خلال هذا العام الميلادي. في 3 يونيو، سنّت الهيئة قاعدة تسمح للناشرين باستبعاد محتواهم من قائمة المصادر المستخدمة في نتائج الذكاء الاصطناعي لدى جوجل؛ خطوة وُصفت آنذاك بأنها «أولى على مستوى العالم». ثم في 17 يونيو، تم تقديم متطلبات تتعلق بالتصنيف العادل لنتائج البحث وقابلية نقل بيانات المستخدمين بين الخدمات المختلفة. مجموع هذه الإجراءات هو جزء من عملية ناتجة عن تحديد «الوضع السوقي الاستراتيجي» (Strategic Market Status) لجوجل في مجال البحث العام في بريطانيا؛ إجراء يمنح CMA صلاحية فرض قواعد مستهدفة على عمليات جوجل في هذا البلد.
يجدر بالذكر أنه حالياً يمكن لمستخدمي أندرويد وكروم في بريطانيا تغيير محرك البحث الافتراضي لديهم، لكن هذا الخيار عادة ما يتاح لمرة واحدة فقط عند الإعداد الأولي للجهاز. الجديد في الاقتراح هو إلزامية التذكير سنوياً وتوسيع نطاقه ليشمل متصفح كروم على سطح المكتب، حيث لم تكن هناك صفحة اختيار مماثلة حتى الآن.
من منظور مقارن، يشبه هذا النهج إلى حد كبير قانون الأسواق الرقمية في الاتحاد الأوروبي (DMA) الذي سبق وأن ألزم مصنعي الهواتف الذكية في العديد من دول أوروبا بمنح المستخدمين حق اختيار المتصفح ومحرك البحث عند الإعداد الأولي للجهاز. مع ذلك، حذرت جمعيات الناشرين البريطانية من أن إعطاء الموقع الافتراضي للبحث للمساعدين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي قد يسرّع من تراجع حركة المرور الواردة إلى مواقع الأخبار -التي بدأت منذ تقديم AI Overviews-.
مسألة تتجاوز البحث: تحدٍّ مماثل في منظومة آبل
من اللافت أن القلق بشأن اختيار مساعد الذكاء الاصطناعي الافتراضي لا يقتصر على جوجل وأندرويد فقط. وفقاً لاكتشافات باحثين ووسائل إعلام تقنية حديثة، وُجدت آليات مخفية في شيفرة الإصدارات التجريبية لنظامي iOS 27 وmacOS Golden Gate (إصدار macOS 27) تتيح للتطبيقات الظهور كمكونات إضافية لسيري أو حتى استبدال محرك الذكاء الاصطناعي الخادمي لسيري تماماً بنماذج طرف ثالث مثل Claude من Anthropic أو نماذج أخرى. لم تفعّل آبل هذه الخاصية للمطوّرين الخارجيين بعد، وفي الوقت الحالي الإضافة الرسمية الوحيدة المتاحة في قائمة "Ask…" لدى الشركة هي إضافة ChatGPT. مع ذلك، وجود مثل هذه البنية التحتية يوحي بأن عمالقة التكنولوجيا، بغض النظر عن الضغوط القانونية مثل قواعد CMA أو DMA، يجهزون منصاتهم لعصر تنافس متعدد الأطراف بين مساعدي الذكاء الاصطناعي.
ما الخطوة التالية؟
الاقتراحات الأخيرة لـCMA لا تزال في مرحلة التشاور مع أصحاب المصلحة والقرار النهائي بشأن إلزاميتها مرهون بمراجعة التعليقات الواردة من جوجل والناشرين والمنافسين والجمعيات المهنية. بالنظر إلى سجل الهيئة في سن قواعد مماثلة بسرعة في أشهر يونيو، يبدو أن بريطانيا مصممة على أن تظل رائدة في التنظيم عند تقاطع البحث التقليدي والذكاء الاصطناعي التوليدي.
استناداً إلى تقرير موقع amediaoperator.com الإخباري، طُرح هذا الاقتراح استجابةً للتحذيرات التي أطلقتها جمعيات الناشرين بشأن تزايد نفوذ الذكاء الاصطناعي في مجال البحث.