حدد باحثون من جامعة ديوك الأمريكية نوعًا من البكتيريا الطبيعية والمحلية في أمعاء الإنسان يؤدي بإنتاج سكر معقد إلى زيادة استهلاك الطاقة في الجسم وتقليل دهون الأحشاء؛ اكتشاف قد يفتح مسارًا جديدًا لعلاج السمنة واضطرابات الأيض إذا تم تأكيده في الإنسان.
نُشرت هذه الدراسة في ٢٣ سبتمبر في المجلة العلمية «سيل هوست آند مايكروبي» (Cell Host & Microbe)، وقد قادها نيراج سورانا، أستاذ مساعد في قسمي طب الأطفال وعلم الوراثة الجزيئي والميكروبيولوجيا في جامعة ديوك. كان سورانا قد عمل سابقًا على أبحاث تتعلق بنفس البكتيريا في مجال أمراض الأمعاء الالتهابية، والآن اكتشف مع فريقه دورًا جديدًا لها في مجال الأيض.
المكروب موضوع الدراسة هو نوع يُدعى «كلوستريديوم إيميونيس» (Clostridium immunis) الذي تم تحديده مؤخرًا في الميكروبيوم المعوي الصحي لدى الإنسان. قبل هذه الدراسة، كانت هذه البكتيريا معروفة بشكل أساسي بدورها في تنظيم الاستجابات المناعية والحماية من التهاب الأمعاء، لكن البحث الجديد يُظهر أن قدراتها تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك.
السكر الذي ساعد على حرق الدهون
تنتج هذه البكتيريا مركبًا يُسمى «إكزو بوليساكاريد» يحتوي في بنيته على جزيء يسمى «فوسفوكولين». لفحص الدور الدقيق لهذا الجزيء، عبث الباحثون جينيًا في عينات البكتيريا لتعطيل المسار البيولوجي المصنّع للفوسفوكولين. أظهر الناتج أنه بدون هذا الجزيء الخاص، تفقد الحماية التي يوفرها السكر المنتج ضد اضطرابات الأيض؛ نتيجة تبرز أهمية هذا المكوّن البنيوي الصغير في وظيفة المركب ككل.
أظهرت اختبارات هذا المركب على فئران سمينة أن كمية الدهون الأحشائية لديها، أي الدهون التي تتجمع حول الأعضاء الداخلية والتي يَرتبط ازديادها بخطر أعلى للإصابة بمرض السكري من النمط الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية، قد انخفضت. في الوقت نفسه، زاد أيض الجسم لدى الفئران، ولا سيما في نسيج الدهون الأحشائية ذاته.
والمثير لاهتمام الباحثين أنه أثناء التجربة لم تَقل كمية الطعام التي تناولتها الفئران ولم يُلاحَظ فقدان في كتلة العضلات لديها؛ ما تغيّر كان مجرد مقدار الطاقة الذي يستهلكه جسمها. تميز هذه الخاصية هذه النتيجة عن عمل أدوية فقدان الوزن الشائعة، وهي أدوية فئة GLP-1، التي تساعد غالبًا على فقدان الوزن عن طريق تقليل الشهية وبالتالي تقليل كمية الطعام المتناولة. بالمقابل، رفع المركب المكتشف في هذه الدراسة استهلاك الطاقة في الجسم مباشرةً دون تقليل مدخول الطعام.
دور الجهاز المناعي في الأمر
خصصت جزءًا آخر من هذه الدراسة لدور الجهاز المناعي في هذه العملية. وجد الباحثون أن هذا السكر يخفض مستوى بروتين مُرسِل مناعي يُدعى «إنتيرلوكين-٢٢» في الأمعاء الدقيقة ونسيج الدهون الأحشائية، وأن هذا الانخفاض مرتبط بزيادة الأيض في نسيج الدهون الأحشائية. تُبيّن هذه النتيجة أن العلاقة بين ميكروبيوم الأمعاء والجهاز المناعي والأيض معقَّدة أكثر مما كان يُعتقد سابقًا، وأن بكتيريا الأمعاء قد تؤثر مباشرةً عبر مسارات مناعية على تخزين الدهون واستهلاكها في الجسم.
ما وراء التجارب الحيوانية، فحص فريق البحث بيانات ميكروبيومية لآلاف البشر أيضًا. أظهرت هذه المراجعة أن الجينات المتضمنة في تصنيع الفوسفوكولين كانت أقل وجودًا من المعتاد لدى الأشخاص المصابين بالسمنة وكذلك لدى الأفراد ذوي مستويات ثلاثي الغليسريد المرتفعة في الدم. مع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف مجرد ارتباط إحصائي ولا يثبت بمفرده علاقة سببية بين نقص هذه الجينات وظهور السمنة أو ارتفاع ثلاثي الغليسريد؛ وهو موضوع يتطلب مزيدًا من الأبحاث على البشر.
المسافة إلى علاج حقيقي
قال سورانا موضحًا الموضع المحتمل لهذا الاكتشاف في مستقبل علاج السمنة إن أدوية GLP-1 أحدثت تحولًا في علاج السمنة والأمراض المرتبطة بها خلال السنوات الأخيرة، لكنها ليست فعّالة لجميع المرضى وفي بعض الأشخاص تكون مصحوبة بآثار جانبية ملحوظة. وأضاف أن البكتيريا المذكورة والسكّر الذي تنتجه قد يُبحث مستقبلاً كمكمّل لهذه الأدوية أو حتى كبديل لها. وأشار أيضًا إلى الانخفاض الطبيعي في الأيض مع التقدم في منتصف العمر، ورأى أنه إذا تأكّد هذا الآلية في الإنسان فقد تتجاوز تطبيقاتها علاج السمنة لتساعد في الحفاظ على الصحة الأيضية في الأعمار المتقدمة.
مع ذلك، يؤكد الباحثون بوضوح أن هنالك طريقًا طويلًا قبل الوصول إلى علاج فعّال للبشر. الجزء الأكبر من البيانات المتاحة حتى الآن مستمد من تجارب على الفئران، والدراسات البشرية الحالية تظهر في الوقت الراهن وجود ارتباط بين هذا المسار البيولوجي وحالة الأيض في الجسم، لا علاقة مثبتة. يسعى فريق البحث الآن لتأمين التمويل اللازم لبدء دراسات سريرية على البشر؛ دراسات ستحدد ما إذا كانت هذه الآلية يمكن أن تقلل الدهون الأحشائية وتحسن الأيض لدى الإنسان أم لا.
أُجريت هذه الدراسة المنشورة في مجلة Cell Host & Microbe بدعم مالي من المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية، ومؤسسة هارتول، ومركز الميكروبيوم في جامعة ديوك، وصندوق مسرع جيلولي في ديوك، ورابطة القلب الأمريكية، والجامعة الوطنية في سنغافورة.