تحوّل الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القليلة الماضية من تكنولوجيا ناشئة إلى أحد أكبر وجهات الاستثمار عالميًا ومحرك محتمل للنمو الاقتصادي. لكن هذا النمو المتسارع صاحبه واقع مقلق: المؤسسات التنظيمية في أنحاء العالم غير قادرة على صياغة أطر رقابية مناسبة بالسرعة نفسها. هذا الفراغ حوّل تنظيم الذكاء الاصطناعي من نقاش تقني وأخلاقي إلى معادلة اقتصادية معقّدة.
القوانين الصارمة يمكن أن ترفع تكلفة تطوير النماذج الأولية، تبطئ عملية طرح المنتجات وتثقل كاهل الشركات الناشئة. ولكن من ناحية أخرى، الرقابة الضعيفة لها تكاليف خفية قد تظهر في شكل عمليات احتيال واسعة النطاق، هجمات إلكترونية أكثر تعقيدًا، أخطاء آلية على نطاق ملايين، تآكل الثقة العامة وحتى زعزعة الاستقرار في النظام المالي.
مشروع قانون المخاطر والتحذيرات الدولية
أصبح النقاش أكثر جدية عندما حذر مسؤولون وباحثون في شركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي من مخاطر الأنظمة الأكثر استقلالية؛ تحذيرات ترافقت مع كشف حوادث عن استخدام نماذج متقدمة في هجمات إلكترونية وزيادة قدرة هذه الأنظمة على أداء مهام متعددة الخطوات بأدنى تدخل بشري.
في هذا السياق، وصف فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، التنظيم الذاتي الطوعي للشركات بأنه غير كافٍ ودعا إلى الإبلاغ الإلزامي عن الحوادث الجسيمة، والتحقق المستقل من قدرات النماذج وزيادة الرقابة على الشركات المطورة لأكثر الأنظمة تقدمًا.
المهم أن المخاطر الاقتصادية المقبلة لا تحتاج إلى سيناريوهات بعيدة عن الواقع حول ذكاء اصطناعي فائق التقدّم. أكد زيد يوسف، أستاذ ومستشار في هندسة الأنظمة الرقمية والذكية، في مقابلة مع الجزيرة نت أن أول مخاطر محددة هي الأمن السيبراني والاحتيال؛ لأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يزيد بشكل ملحوظ قدرة صناعة البرمجيات الخبيثة، وتزوير الأصوات والهويات، وتنفيذ هجمات معقدة. وفي هذا السياق قد تتحمّل البنوك وشركات التأمين والمستهلكون العاديون والبُنى الحيوية التكاليف الرئيسية لهذه الهجمات.
خطر آخر يشير إليه يوسف هو «التكرار الواسع لقرار خاطئ». على سبيل المثال، إذا استخدمت مؤسسة مالية نموذجًا غير خاضع للرقابة لتقييم الجدارة الائتمانية أو سلّمت جهة صحية قرارات حساسة لخوارزمية، فإن خطأً واحدًا قد يتحول إلى آلاف أو حتى ملايين قرارات آلية خاطئة. كما يذكّر بأن الثقة نفسها أصبحت أصلًا اقتصاديًا؛ لأن انتشار استخدام هذه الأنظمة يتطلب وصولها إلى بيانات حساسة وأداء مهام حقيقية، ويمكن لتآكل الثقة العامة أن يحدّ من تبني التكنولوجيا حتى مع استمرار التقدّم الفني.
مخاطر مترابطة
يركّز محمد السويسي، متخصص في التكنولوجيا، أيضًا على أن الأمن السيبراني في صدارة التهديدات الاقتصادية، لأن الأنشطة الاقتصادية يومًا بعد يوم تتجه أكثر نحو الأنظمة الرقمية ودخول الفاعلين المدعومين بالذكاء الاصطناعي في عمليات كانت سابقًا تتطلب تدخلًا بشريًا مباشرًا. وبحسبه، عندما ترتبط هذه المخاطر بالبنوك وشركات التأمين والجهات الحكومية والشركات الكبيرة والصغيرة، يزداد حساسية الموضوع، لأن أي خرق أو سلوك غير متوقع من نظام يمتلك صلاحيات واسعة يمكن أن ينتقل بسرعة إلى مؤسسات أخرى مرتبطة.
لا يقتصر السويسي على ربط المشكلة بالأمن فقط، بل يشير إلى تحدٍ آخر: قدرة العديد من الاقتصادات والشركات المحدودة على استيعاب هذه التكنولوجيا بسبب نقص الكوادر المتخصصة وارتفاع تكلفة بعض النماذج والبُنى التحتية اللازمة. كما يحذر من أن الاعتماد الواسع على عدد قليل من مزوّدي نماذج اللغة والحوسبة السحابية قد يخلق نوعًا خطيرًا من «الاعتماد التكنولوجي»، لا سيما في الحالات التي تضع فيها المؤسسات بياناتها الاقتصادية والتجارية الحساسة في أنظمة خارج نطاق رقابتها الداخلية.
بعد آخر لهذه المعادلة هو سوق العمل. وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، سيُؤثر الذكاء الاصطناعي بدرجات مختلفة على نحو 40 في المائة من الوظائف على مستوى العالم؛ سواء عبر استبدال بعض المهام أو عبر تغيير طبيعة الوظائف والمتطلبات المهارية اللازمة.
تكلفة الأمان مقابل تكلفة التهاون
يفرض تنفيذ ضوابط تنظيمية تكاليف إضافية كبيرة تشمل النمذجة الأولية بمعايير أعلى، تعزيز الأمن السيبراني، إدارة البيانات وكذلك التوثيق، التدقيق القانوني والرقابة المستمرة بعد الإطلاق على الشركات. في الحالات التي يرتفع فيها خطر النظام قد يصبح التقييم المستقل إلزاميًا قبل الإتاحة للمستخدمين.
يرى السويسي أن هذه المتطلبات ترفع حجم رأس المال اللازم قبل دخول السوق ولأنها تتضمن مراحل مراجعة واعتماد إضافية قد تؤخر جداول طرح المنتجات؛ حمولة تستطيع الشركات الكبرى تحملها أسهل بكثير من الشركات الناشئة. لكنه يؤكد أن هذه التكلفة يجب أن تُقارن بتكاليف التهاون المحتملة؛ إذ إن خللًا في الأداء أو تسربًا للبيانات أو دعاوى قضائية أو حتى سحب فرضي لمنتج من السوق قد تكون أكثر تكلفة بكثير من اكتشاف العيوب مبكرًا. يوافقه يوسف الرأي ويشدّد على أن الأمان يرفع تكلفة التطوير على المدى القصير لكنه على المدى الطويل، وخاصة على نطاق واسع، يمنع تكاليف أعظم بعد النشر. ويقول هذان الخبيران إن الحل الرئيسي هو «مُلاءمة القوانين مع مستوى الخطر»؛ بمعنى أن تطبيقًا محدود الاستخدام لا ينبغي أن يخضع لنفس المتطلبات الصارمة المفروضة على أنظمة اتخاذ القرار في مجالات الائتمان والصحة أو البُنى التحتية الحساسة.
ثقة المستثمر والتنافسية العالمية
أصبح الإطار التنظيمي عاملًا حاسمًا في قرارات الاستثمار وتخصيص رؤوس الأموال. اتخذت الولايات المتحدة نهجًا يوفّر مساحة أكبر للابتكار والمنافسة التقنية؛ تتبع الاتحاد الأوروبي نموذجًا قائمًا على تصنيف الأنظمة بحسب مستوى الخطر وفرض متطلبات أشد على الأنظمة عالية المخاطر؛ بينما تدمج الصين تنظيمات التكنولوجيا مع التركيز على الأمن القومي وتعزيز القدرات المحلية.
يعتقد يوسف أن التنظيم يدعم الاستثمار عندما يقدم إجابات واضحة حول الأنشطة المسموح بها، والمسؤولية القانونية، والاختبارات اللازمة ومستوى الخطر الذي يمكن تسعيره قبل ضخ رأس المال. لكن القوانين الغامضة أو غير المستقرة أو غير المتناسبة مع مستوى الخطر الفعلي يمكن أن تردع وتدفع الشركات إلى نقل التطوير أو طرح المنتجات في أسواق أخرى. وبحسبه: «رأس المال لا يهرب بالضرورة من وجود قانون، بل يهرب من غموضه وعدم استقراره.» كما يرى السويسي أن الوضوح القانوني يقلل الغموض ويتيح للمستثمرين احتساب تكلفة الامتثال مقدمًا، رغم أنه يحذّر من أن الإجراءات المعقّدة والمكلّفة قد تصبح حاجزًا حقيقيًا لدخول المنافسين الجدد.
خطر ترسيخ هيمنة عمالقة التكنولوجيا
أحد أكثر النتائج المقلقة لمجمل التنظيمات الصارمة هو تعزيز موقع شركات التكنولوجيا الكبرى دون قصد؛ شركات تملك القدرة المالية لتغطية تكاليف الامتثال القانونية وصيانة فرق قانونية وهندسية ضخمة، بينما تكافح الشركات الناشئة ذات الموارد المحدودة مع نفس المتطلبات.
يحذر يوسف من أن فرض تكلفة ثابتة وعالية للامتثال بغض النظر عن مستوى الخطر الفعلي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: الهدف الرئيسي للجهة الرقابية هو تقليل مخاطر الذكاء الاصطناعي، لكن النتيجة العملية قد تكون ترسيخ هيمنة عدد محدود من الشركات الكبرى. يقترح تصميم مستويات رقابية مختلفة: متطلبات أساسية في مجالات الخصوصية والأمن والشفافية للتطبيقات منخفضة المخاطر، وتصعيد تدريجي للصرامة في المجالات الحساسة مثل الائتمان والتوظيف والصحة، وفي النهاية اختبار ورقابة أدق على النماذج القادرة على شن هجمات سيبرانية أو إدارة أنظمة حيوية.
يعتقد يوسف أنه يمكن دعم الشركات الأصغر عبر تبسيط متطلبات التوثيق، إنشاء بيئات اختبار تنظيمية (صناديق رملية)، إرشادات معيارية وإمكانيات تقييم مشتركة أو مدعومة، لكي يقل عبء التكلفة الثابتة للامتثال على مواردها المحدودة. يؤيد السويسي هذا النهج ويشدّد على أنه لا ينبغي معاملة أدوات بسيطة مثل المترجمات الذكية أو المساعدين الإداريين بنفس طريقة معاملة النظم الحساسة المستخدمة في المصارف، الصحة والتوظيف. وبحسبه، تتيح الصناديق الرملية التنظيمية فرصة للشركات الناشئة لاختبار منتجاتها قبل تحمّل المسؤوليات القانونية كاملة؛ لأن تكلفة الامتثال العالية التي تفوق قدرة الشركات الصغيرة قد تخنق الابتكار وتعزز هيمنة اللاعبين الكبار.
مستقبل الوظائف والمسار المقبل
لا تقتصر تبعات تنظيم الذكاء الاصطناعي الاقتصادية على الشركات فقط بل تمتد مباشرة إلى سوق العمل. تشير تقديرات صندوق النقد الدولي بشأن تأثّر نحو 40 في المائة من وظائف العالم إلى أن السياسة العامة ليست أمام سؤالٍ حول كيفية منع الأنظمة غير الآمنة فحسب، بل يجب أن تجيب عن كيفية إدارة انتقال اقتصادي كبير؛ انتقال سيعيد توزيع الدخل والمهارات والفرص بين قطاعات الاقتصاد وقوى العمل.
تحذر بعض التحليلات من أن إدارة سيئة لهذا التحول قد تحوّل مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي إلى عامل يوسّع عدم المساواة، لا سيما إذا ذهبت المنافع الأساسية إلى مالكي رؤوس الأموال والتكنولوجيا بينما يتحمّل العمال العبء الأكبر لتكاليف إعادة هيكلة الوظائف. في المقابل، قد يبطئ تقييد التكنولوجيا بشكل مفرط مكاسب الإنتاجية والابتكار؛ لذلك تُعدّ سياسات التعليم وإعادة التدريب المهاري وتقوية شبكات الضمان الاجتماعي تكميلاً ضروريًا للتنظيمات وليست بديلاً عنها.
بناءً على هذا التقرير الذي نُشر أولًا في الجزيرة، يرى يوسف أن نجاح الجهات الرقابية لا يُقاس بعدد القوانين المصدرة أو بحجم الغرامات المفروضة فحسب، بل بالمقدرة الحقيقية لهذه الجهات على إيجاد توازن بين مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والفنية؛ من بينها تطور حوادث سيبرانية، الاحتيالات والخسائر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب اتجاهات الاستثمار المخاطر، تأسيس الشركات الناشئة، معدل تبنّي التكنولوجيا، الإنتاجية، مستوى المنافسة في السوق، تكلفة الامتثال القانوني ومستوى ثقة المستخدمين. استمرار تدفّق الاستثمار، نمو الإنتاجية وتكوين شركات جديدة إلى جانب تقليل الحوادث الكبيرة والمكلفة، يمكن أن يكون علامة على نجاح التنظيم في الجمع بين النمو الاقتصادي وأمان التكنولوجيا في آن واحد.
يؤكد الخبراء أن التجارب المتشكلة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين، بصفتها ثلاث نماذج تنظيمية مختلفة، ستكون خلال السنوات المقبلة معيارًا مهمًا لتقييم أي نهج قادر أفضل على الموازنة بين الابتكار والتنافسية الاقتصادية والحد من مخاطر النظامية للذكاء الاصطناعي.