مكان السكن يمكن أن يؤثر مباشرة على خطر الإصابة بالخرف والوفيات الناجمة عنه. دراسة حديثة لجامعة كمبريدج التي فحصت بيانات حوالى 41 مليون شخص في الفترة من 2011 إلى 2023 في إنجلترا توصلت إلى نتائج غير متوقعة في هذا المجال.
نمط الوفيات غير المتوقع
نتائج هذه الدراسة التي نشرتها ناشيونال جيوغرافيك تُظهر أن أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بالخرف لم تكن في المدن المزدحمة ولا في المناطق الريفية النائية، بل في الضواحي والمناطق ذات الكثافة السكانية المتوسطة. هذا النمط يتعارض مع التصور السائد الذي يعتبر الحياة الحضرية أو العزلة الريفية أخطر بيئة.
ينسب الباحثون هذه النتيجة إلى مزيج من العوامل: قد تواجه هذه المناطق في وقت واحد عيوب بيئية وصعوبات في الوصول إلى الخدمات الطبية المتخصصة. عيادات السمع واختبارات عوامل الخطر الأيضية مثل السكري وارتفاع الكوليسترول ومستويات السكر في الدم تكون أقل توفراً في مثل هذه المناطق. بالإضافة إلى ذلك، مستويات أعلى من العزلة الاجتماعية مقارنة بمراكز المدن تزيد الطين بلة.
تأثير تحسين البيئة على خفض الوفيات
تؤكد هذه الدراسة أن تحسين جودة المساحات المفتوحة والوصول إلى الخدمات في المجتمعات الأكثر حرماناً يمكن أن يقلل وفيات الخرف بنسبة تصل إلى 10.5 في المئة. هذا الرقم يدل على أن الاستثمار في البنى التحتية الحضرية والخدمات الصحية، حتى في مجتمعات ذات موارد محدودة، يمكن أن يكون له تأثير كبير على صحة الدماغ.
"البيئة" أصبحت جزءاً محورياً في تقييم صحة الدماغ
أشار الخبراء إلى أن مفهوم «البيئة» أو «التعرض التجريبي» (Exposome) أصبح جزءاً محورياً في تقييم صحة الدماغ. في هذا الإطار، العوامل القابلة للتعديل (مثل العزلة، ضعف السمع، التلوث وأنماط الغذاء) تلعب دوراً في تحديد مستوى خطر الخرف. هذا النهج يحول التركيز من العوامل الجينية الثابتة إلى العوامل البيئية القابلة للتدخل.
التأكيد على صنع السياسات لا تغيير مكان السكن
يؤكد الخبراء أن هذه النتائج صممت أساساً لتوجيه السياسات العامة والتخطيط الحضري وتوزيع المراكز العلاجية بشكل عادل، لا لدفع الأفراد إلى تغيير مكان سكنهم. بمعنى آخر، المسؤولية الأساسية تقع على عاتق صانعي السياسات والمخططين الحضريين لتحسين الوصول إلى الخدمات وتقليل العزلة الاجتماعية، وخلق بيئات أكثر صحة لجميع الأعمار.
مراحل الوقاية والحفاظ على صحة الدماغ
على المستوى الفردي أيضاً هناك عدة إجراءات رئيسية يمكن أن تقلل خطر الإصابة بالخرف:
ممارسة الرياضة بانتظام: العامل الأهم في تقليل المخاطر وخفض الاكتئاب وضغط الدم.
الفحص المبكر للسمع: يقلل الضغط على الدماغ ويمنع العزلة الاجتماعية.
اتباع نظام غذائي متوازن: مثل اعتماد النظام المتوسطي منخفض السكر.
زيادة التفاعل الاجتماعي: التفاعل مع العائلة والأصدقاء يدعم الصحة النفسية والتركيز.
تُنشر هذه النتائج في وقت تتزايد فيه نسبة كبار السن حول العالم ويصبح الخرف أحد أكبر التحديات الصحية في القرن. وبحسب الخبراء، فإن الجمع بين سياسات حضرية ذكية وتصحيح أسلوب الحياة الفردي هو أنجع طرق التصدي لهذا التحدي.