أزمة الانتباه لم تعد مجرد هاجس فردي أو مسألة متعلقة بالصحة النفسية فقط. استناداً إلى تحليل جديد حول تقارب التكنولوجيا والكيمياء العصبية لدى الإنسان، فإن الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي التوليدي، من خلال استغلال دوائر المكافأة في الدماغ، تغير الأنظمة التي تتحكم في انتباهنا. وبحسب الكاتب، فهذا الوضع ليس نتيجة ضعف أخلاقي لدى المستخدمين بل نتيجة طبيعية لتصميم هذه المنصات.
حلقة مكافأة تشبه آلة القمار
الأساس في تقريباً كل منصات التواصل الاجتماعي الكبرى ونظام بيئة الهواتف الذكية هو ما يسميه علماء الأعصاب «حلقة المكافأة المتغيرة». هذه الآلية تشبه من الناحية النفسية آلات القمار. الدماغ مع كل لمسة أو إشعار ينتظر المكافأة التالية ويفرز الدوبامين. هذا الإفراز يكون أكثر بسبب توقع مكافأة ذات قيمة وليس بالضرورة لارتباطه بالعثور عليها فعلاً.
آنا ليمبكه، طبيبة نفسية في جامعة ستانفورد ومؤلفة كتاب «أمة الدوبامين»، وصفت الهاتف الذكي بأنه «إبرة تحت الجلد الحديثة» التي توفر دوبامين رقمي للمستخدم على مدار الساعة. وفق الفكرة المحورية في هذا الكتاب، بعد كل مكافأة رقمية ينخفض مستوى الدوبامين قليلاً تحت مستوى الأساس. النتيجة قد تكون القلق والتهيج والرغبة في التمرير مرة أخرى، فقط للشعور بأن الأمور طبيعية.
كل إشعار، إجهاد صغير
الضغط ليس قادماً من الدوبامين وحده. اعتماداً على مؤشر اتجاهات العمل ٢٠٢٥ لشركة مايكروسوفت، يتلقى الموظف المعرفي في المتوسط ١١٧ رسالة بريد إلكتروني و١٥٣ رسالة في تيمز يومياً. خلال ساعات العمل الأساسية يحدث انقطاع تقريباً كل دقيقتين، أي نحو ٢٧٥ مرة في يوم عمل مدته ثماني ساعات. تقرير مماثل يشير إلى تشكل «يوم عمل لا نهائي»: ٤٠ في المئة من الموظفين يتحققون من بريدهم الإلكتروني قبل الساعة ٦ صباحاً وزادت الاجتماعات المسائية بنسبة ١٦ في المئة.
كل تنبيه قد يسبب ارتفاعاً عابراً في الكورتيزول والنورإبينفرين ويدخل الجهاز العصبي الودي في حالة «قتال أو هروب» خفيفة. النتيجة التراكمية لهذه الحالة هي يقظة مزمنة وتجعل التركيز العميق أصعب على مثل هذا العقل.
انخفاض التركيز في البيانات
تشير الأبحاث إلى أن التعددية في المهام الإعلامية الشديدة مرتبطة بتغيرات بنيوية في الدماغ. دراسة نُشرت في ٢٠١٤ في مجلة PLOS ONE أظهرت أن الأشخاص الذين يتنقلون بين تيارات وسائط متعددة في آن واحد لديهم كثافة مادة رمادية أقل في القشرة الحزامية الأمامية (ACC). هذه المنطقة تلعب دوراً في تنظيم العاطفة والسيطرة المعرفية والانتباه المستمر. بالطبع هذه الدراسة أظهرت علاقة ارتباطية ولم تثبت السببية.
البيانات السلوكية تؤكد نفس الاتجاه. وفق أبحاث غلوريا مارك في جامعة كاليفورنيا، إيرفين، كما ورد في كتابها «نطاق الانتباه» (٢٠٢٣)، انخفض متوسط مدة التركيز على شاشة من نحو دقيقتين ونصف في ٢٠٠٤ إلى ٧٥ ثانية في ٢٠١٢ ثم إلى نحو ٤٧ ثانية. نصف فترات التركيز المسجلة استمرت ٤٠ ثانية أو أقل.
مسرع الذكاء الاصطناعي ونهاية «الملل»
بحسب الكاتب، يسرع الذكاء الاصطناعي التوليدي هذا الاتجاه. أنظمة التوصية، عبر تعلم نقاط الضعف المعرفية للمستخدم في اللحظة، تنتج تيارات غير محدودة وشخصية لا تفقد حداثتها أبداً. سمى الكاتب هذه الظاهرة «الدوبامين الاصطناعي».
أحد نتائج ذلك هو زوال الملل. كان الملل سابقاً يعمل كـ«إعادة ضبط عصبية» وتنشيط شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ للتخطيط طويل المدى والبصيرة الإبداعية وترسيخ الذاكرة. الآن حلت الإشعارات والمحتوى الخوارزمي محل هذه الوقفات. يعتبر الكاتب هذا الأمر مسألة في مجال «الأمن المعرفي»: إذا كان انتباه البشر قابلاً للتحويل، فللمهاجم ليس بالضرورة أن يخترق الشبكة مباشرة ليؤثر.
الحلول: استعادة «السيادة المعرفية»
هذا التحليل لا يعتبر الرجوع إلى الوراء حلاً ويقترح تصميم «المرونة»:
• الشفافية الخوارزمية: مفهوم مشابه لـ«SBOM معرفي»؛ المنصات التي تستخدم تحسين المكافأة المتغيرة يجب أن تكشف عن ممارساتها. قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي قدم كخطوة أولى في هذا الطريق.
• الإشعارات مغلقة افتراضياً.
• فترات عمل عميق مدتها ٩٠ دقيقة بدون جهاز لإعادة ضبط خط أساس الدوبامين.
• «مرابط تناظرية»: قراءة نص مطبوع، تدوين يدوي والمشي بدون هاتف.
• ذكاء اصطناعي محوره البشر: مساعدون يحميون انتباه المستخدم ويساعدونه على التوقف عن التمرير.
ملاحظة إضافية
القلق بشأن أثر الذكاء الاصطناعي على الإدراك ليس محصوراً بهذا التحليل. في ٢٠٢٥ أبلغ باحثو مختبر وسائل الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في دراسة بعنوان «دماغك على ChatGPT» عن تسجيل نشاط دماغي (EEG) للمشاركين أثناء كتابة مقال، وأفادوا أن الاعتماد على مساعد الذكاء الاصطناعي ارتبط بانخراط معرفي أقل. كانت هذه الدراسة عينة صغيرة ولم تكن قد خضعت لمراجعة علمية كاملة بعد، لذا يجب قراءة نتائجها بحذر.
الخلاصة
الخطر الأكبر للذكاء الاصطناعي، وفق هذا التحليل، ليس في كونه أذكى أكثر من اللازم. الخطر الحقيقي هو أن نصبح مشغولين ومبعثرين لدرجة لا نتمكن فيها من استخدامه بحكمة.
أُعدّ هذا التقرير استناداً إلى مقال لشك بروكس في فوربس بعنوان «الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي يغيرون كيميائياً أدمغتنا».