من المحتمل أن صوتنا يحتوي على معلومات عن حالتنا الجسدية والدماغية أكثر مما نتصور. أنشأ باحثون مؤخرًا أداة قائمة على الذكاء الاصطناعي تقدر عمر الأشخاص بالاستماع إلى طريقة حديثهم؛ تقدير قد يعطي دلائل عن سرعة الشيخوخة وحتى خطر الخرف.
هذه الأداة لا تركز فقط على طبقة الصوت أو نغمته، بل تقيس مئات الميزات، من سرعة الكلام والتوقفات إلى اختيار الكلمات وطريقة التعبير عن المشاعر. وجد الباحثون بعد اختبار هذا النموذج على ما يقرب من ثلاثة آلاف متحدث بالإسبانية أن كلما كان العمر المقدر بواسطة الذكاء الاصطناعي أكبر من العمر الفعلي، زادت احتمالات حدوث اضطرابات معرفية والخرف وتسارع وتيرة الشيخوخة البيولوجية لديهم. كما كان هؤلاء الأشخاص قد مروا أيضًا باحترامات اجتماعية واقتصادية أكبر. نُشرت نتائج هذه الدراسة يوم الأربعاء 30 سبتمبر في الدورية العلمية «ساينس أدفانسيز» (Science Advances).
كما كتب موقع لايف ساينس، المخطط الأساسي لهذا البحث لا يختلف كثيرًا عن «ساعات الشيخوخة»؛ طرق تحاول بتدقيق علامات بيولوجية في الجسم أن تقدر العمر البيولوجي للفرد واحتمال إصابته بأمراض متعلقة بالتقدم في السن. الاختلاف هنا أن الأداة الجديدة لا تحتاج لفحص دم أو تصوير دماغي لهذا الغرض، بل تحصل على معلوماتها من صوت الفرد.
يقول أدولفو غارسيا، من مؤلفي هذه الدراسة ومدير مركز علوم الأعصاب الإدراكية في جامعة سان أندريس في الأرجنتين، إن الطرق الحالية لقياس الشيخوخة قوية جدًا، لكن العديد منها يعتمد على تصوير الدماغ أو فحوصات الدم؛ فحوصات قد تكون مكلفة أو غازية أو صعبة التكرار المنتظم. وبحسب قوله، استخدام الكلام يزيل هذه القيود إلى حد كبير.
بالطبع لا يزال من المبكر استخدام هذه الأداة في تشخيص خطر الخرف للأفراد. قال أحد المتخصصين لموقع لايف ساينس إن هذه الطريقة يجب اختبارها بلغات أخرى وكذلك في دراسات تتابعية تتابع الأشخاص لفترات طويلة.
كيف يقدر هذا الأداة العمر عبر الكلام؟
توجه الباحثون لهذه الدراسة إلى بيانات «كونسورشيم ريد-لِت» (مشروع كبير حول الخرف في أمريكا اللاتينية). ضمت هذه المراجعة بيانات أكثر من ألفيْن وتسعمئة متحدث بالإسبانية من الأرجنتين وشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو. تراوحت أعمار المشاركين بين 18 و88 سنة. كان حوالي ألف وخمسمائة شخص سليمين إدراكيًا والباقون كانوا يعانون من اضطراب إدراكي طفيف أو مرض ألزهايمر أو خرف جبهوي-صدغي.
أدى كل مشارك سبعة اختبارات. على سبيل المثال طُلِب منهم وصف فيديو كرتوني، وذكر أسماء خضروات وحيوانات وكلمات متنوعة في 60 ثانية قدر الإمكان، وسرد قصة قصيرة مرة فورًا بعد سماعها ومرة أخرى بعد 20 إلى 30 دقيقة.
سجلت أصوات الأشخاص أثناء أداء هذه التمارين. ثم فحص الباحثون أكثر من 700 ميزة في هذه العينات؛ من التوقفات وسرعة الكلام إلى طبقة الصوت ومدى المفردات وطريقة التعبير عن المشاعر.
وُضعت هذه البيانات تحت نموذج تعلم الآلة ليتعلم أن يخمن عمر الأشخاص فقط من طريقة حديثهم. ثم قارن الباحثون الرقم الذي أعطاه الذكاء الاصطناعي بالعمر الفعلي لكل شخص وسموا الفارق بينهما «فجوة عمر الكلام».
كانت النتيجة واضحة. لدى الأصحاء كان العمر الذي يقدره الذكاء الاصطناعي من الكلام عادة أقرب إلى العمر الفعلي، لكن هذه الفجوة كانت أكبر لدى المصابين باضطرابات إدراكية طفيفة أو خرف. وكان أكبر اختلاف لدى من كانوا مصابين بنوع من الخرف الجبهوي-صدغي الذي يضعف بشكل خاص القدرة على اللغة والتواصل.
لم يَرَ هذا الارتباط في نتائج الذكاء الاصطناعي فقط. أولئك الذين بدت كلاماتهم «أكبر سنًا» من أعمارهم الحقيقية أداؤهم كان أضعف أيضًا في اختبارات الذاكرة واللغة والانتباه، وكان أداء الأنشطة اليومية أصعب عليهم.
أظهرت فحوصات الدم صورة مماثلة. كلما كبر الفارق بين العمر الحقيقي والعمر المقدر من الكلام، دلّت ثلاثة مؤشرات فوق جينية أيضًا على شيخوخة أسرع للجسم. تعطي هذه المؤشرات عبر فحص التغيرات الكيميائية على الـDNA صورة عن العمر البيولوجي للجسم؛ عمر ليس بالضرورة مطابقًا لعدد السنوات منذ ولادة الشخص.
في المصابين بالألزهايمر أيضًا كلما كان هذا الفارق العمري أكبر، كان مستوى «بي-تاو 217» في الدم أعلى؛ بروتين يعد واحدًا من العلامات المرتبطة بمرض ألزهايمر.
ووجد الباحثون أيضًا ارتباطًا معنويًا آخر. عوامل مثل ظروف اقتصادية سيئة، انعدام الأمن الغذائي، وصول محدود إلى خدمات الرعاية الصحية، تجارب طفولة صعبة ومعدل تعليم منخفض كانت كلها أكثر شيوعًا بين الأشخاص الذين بدت أصواتهم أكبر من أعمارهم الحقيقية. وبحسب غارسيا، بالرغم من الاختلافات الاجتماعية والثقافية بين البلدان الخمسة التي شملتها الدراسة، كان هذا النمط متسقًا وقابلًا للتكرار في جميعها.
الصوت الأقدم ليس بالضرورة مؤشراً على الخرف
تعتبر الدكتورة مانيشا بارولكار، من مديري مركز اضطرابات الذاكرة وصحة الدماغ في المركز الطبي لجامعة هاكنساك في نيوجيرسي، والتي لم تشارك في هذا البحث، هذه الطريقة خطوة مهمة نحو تسهيل وتوسيع إمكانية تقييم صحة الدماغ.
لكنها تحذر من التوسع المتسرع أو المبالغة في تفسير النتائج. يتأثر صوت الإنسان بشدة بحالته الجسدية والنفسية. قد تجعل عوامل مثل الاكتئاب الشديد، التعب المفرط أو التعرض لضغوط حياة كبيرة نمط حديث الشخص يبدو «أكبر سنًا». لذا تقول بارولكار إنه كطبيبة لا يمكن الاعتماد على هذه الأداة وحدها للوصول إلى تشخيص حاسم للخرف.
وبحسبها، قد تعمل هذه التكنولوجيا في المستقبل كجرس إنذار؛ أي إذا كانت النتيجة غير طبيعية، توجه الطبيب لإجراء فحوص أدق للذاكرة وباقي القدرات المعرفية للفرد.
لهذه الدراسة أيضًا قيد مهم آخر. فمعظم المشاركين فُحصوا مرة واحدة فقط ولم يتتبع الباحثون تغيرات أصواتهم على مدى سنوات. لذلك لا يمكن بعد القول إن شيخوخة نمط الكلام تتنبأ فعلاً بالتدهور المعرفي المستقبلي أو كيف سيتغير الصوت وطريقة الحديث مع تقدم الخرف.
من ناحية أخرى، تدرب نموذج الذكاء الاصطناعي في هذه الدراسة فقط على أصوات متحدثين بالإسبانية من خمس دول في أمريكا اللاتينية. لذلك لا يمكن تطبيق نفس النموذج على لغات أخرى دون اختباره وتعديله.
تقول بارولكار إنه لا يمكن ببساطة استخدام نموذج مُدرَّب بالإسبانية على عينات إنجليزية. لكل لغة خصائصها الخاصة وهذه الاختلافات يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تصميم النموذج واختباره.
يريد الباحثون الآن اختبار هذه الطريقة على لغات أخرى ومتابعة الأشخاص لفترات أطول. الهدف هو معرفة ما إذا كان التغير في طريقة الحديث يمكن أن يكون جرس إنذار قبل ظهور الأعراض المعرفية أم لا.
يقول غارسيا إنه يعتقد أن هناك إشارات قوية في طريقة حديث الأشخاص قد يمكن يومًا ما استخدامها للتنبؤ بخطر الخرف في المستقبل، لكن الوصول إلى مثل هذه النتيجة يتطلب المزيد من الدراسات المتنوعة والمتعمقة.