أعلنت ديوان المحاسبات في تقرير أنَّه منذ عام ١٤٠٣ حتى الآن، أدت ممارسة استثناءات بلا ضوابط شفافة في وزارة الصناعة والمناجم والتجارت إلى تمكين الاحتكار في عملية واردات الهاتف المحمول وتركيزها في يد أربع شركات محددة.
بناءً على هذا التقرير، في حالة واحدة، تم منح تسجيل طلبية بقيمة تزيد عن ٩٦ مليون دولار، أي ما يعادل أكثر من ربع الحصة المسموح بها، دون مراعاة الحد القانوني ودون إدراج معرف ورمز أساسي مكون من ثمانية أرقام للبضاعة وبالاستناد فقط إلى التزام إنشاء مجمع زراعي وصناعي؛ وذلك بينما، بحسب ديوان المحاسبات، لم يَكن للمشروع المذكور أي تقدم مادي.
رأت هذه الهيئة الرقابية أن طريقة تطبيق الاستثناءات مخالفة للقانون ومسببة للتمييز بين المستوردين ومعيقة لمبدأ المنافسة، وأعلنت متابعتها لإصلاح الآليات ذات الصلة. والسؤال الآن هو أنه بجانب النظر في هذه القضية، ما هي الآلية لمنع تكرار مثل هذه القرارات ومن هي الجهات المسؤولة عن مراقبة تنفيذ اللوائح وإصلاحها المحتمل؟
كيف تتحول الاستثناءات إلى امتيازات خاصة؟
المحور الأول للمراجعة هو طريقة اتخاذ القرار في وزارة الصناعة والمناجم والتجارت. إذا جرت تسجيلات طلبات خارج الضوابط العامة وباستخدام الاستثناءات، فمن الضروري أن يتبين على أي أساس قانوني عُرفت هذه الاستثناءات، وأي سلطة أو وحدة كانت مخولة بتطبيقها، وبأي معايير قُيمت الطلبات المشمولة بهذا الامتياز.
في القضية المشار إليها، يثير الاستناد إلى التزام إنشاء مجمع زراعي وصناعي لمنح سعة كبيرة من تسجيل طلبات الهاتف المحمول تساؤلات حول مدى تناسب الالتزام المقدم مع الامتياز الممنوح. يجب على وزارة الصناعة والمناجم والتجارت أن تشرح أي آلية موجودة للتحقق من مثل هذه الالتزامات وكيف ضُمِنَ احترام الحدود القانونية وتكافؤ فرص المتقدمين للاستيراد.
بالطبع لتحديد مسؤولية الأشخاص، ينبغي فحص وثائق اتخاذ القرار ونتائج التحقيقات القانونية. يمكن أن يكون تقرير جهة رقابية أساساً للمطالبة بالرد، لكن تحديد مسؤولية كل فرد يستلزم فحص دوره في عملية اتخاذ القرار وإثبات المخالفة من قبل الجهة المختصة.
هل القوانين الحالية كافية لمنع الاحتكار؟
إلى جانب مسؤولية الجهاز التنفيذي، يمكن فحص الموضوع من منظور التشريع أيضاً. إذا كانت القواعد القائمة تتيح تطبيق استثناءات واسعة أو اتخاذ قرارات بلا معايير شفافة، فيجب أن يتبين ما إذا كانت المشكلة ناتجة عن عيب في القانون أو غموض في اللوائح التنفيذية أو ضعف الرقابة على تنفيذ القواعد أو تجاوز الضوابط القائمة.
هذا التمييز مهم؛ لأنه في حال خرق قواعد واضحة، يجب أن يكون المحور الرئيسي هو متابعة أداء الجهاز التنفيذي وتطبيق الضمانات القانونية. أما إذا كانت هناك ثغرات في القوانين أو اللوائح التنفيذية تتيح منح امتيازات غير شفافة، فيمكن أن يكون إصلاح تلك الثغرات ضمن الأولويات.
من هذا المنظور، تشكل قضية واردات الهاتف المحمول فرصة لبحث ما إذا كانت الضوابط المتعلقة بتخصيص الحصص وتسجيل الطلبات وتطبيق الاستثناءات شفافة وقابلة للتقييم والمراقبة بشكل كافٍ. وكذلك ما إذا كانت معايير التمتع بامتيازات خاصة معرفة بطريقة تقلل إمكانية التمييز بين الفاعلين الاقتصاديين إلى الحد الأدنى.
ما مسؤولية البرلمان تجاه تقارير الرقابة؟
يمكن لمجلس الشورى الإسلامي متابعة هذا الموضوع عبر مسارين: التشريع والرقابة. في مجال الرقابة، يمكن للجنة الصناعات والمعادن في مجلس الشورى أن تطلب من وزارة الصناعة والمناجم والتجارت، في إطار صلاحياتها القانونية، توضيح كيفية تخصيص حصص الاستيراد والأساس في تطبيق الاستثناءات والإجراءات المتخذة لمعالجة أسباب الاحتكار.
وفي مجال التشريع، إذا أظهرت المراجعات أن القواعد القائمة تفتقر إلى الشفافية الكافية أو أن هناك غموضاً في حدود صلاحيات الجهاز التنفيذي، فيمكن للنواب أن يدرسوا تعديل القوانين ذات الصلة أو متابعة تعديل اللوائح التنفيذية؛ مع مراعاة أن يتّضح مصدر المشكلة أولاً بشكل قاطع وأن لا يحل تعديل القانون محل متابعة المخالفة المحتملة للوائح الحالية.
والسؤال المهم هنا هو هل يكتفي البرلمان بمتابعة تقرير ديوان المحاسبات حالةً بحالة أم سيحوّل مراجعة آليات تخصيص وتسجيل الطلبات إلى فرصة لتقييم القواعد الحاكمة للمنافسة في هذا السوق؟ قد يوضح الجواب كيف تتحول الرقابة البرلمانية من مطالبة بتوضيح بشأن قضية محددة إلى متابعة إصلاح الممارسات المثيرة للمشكلات.
لكن إلى أن يُعلن موقف رسمي من لجنة الصناعات والمعادن أو الجهات المعنية الأخرى بشأن هذه القضية، لا يمكن الجزم بدخول البرلمان حتماً على خطها أو اتخاذ قرار بتعديل القوانين.
من كشف المخالفة إلى تحديد المسؤولية
المسألة الأخرى هي مصير القضية ونتيجة الإجراءات الرقابية. إعلان مخالفة آلية ما للقانون، وإن كان خطوة لتوضيح الموضوع، فإنه لا يجيب عن تساؤلات مسؤولية صانعي القرار وآثار القرار المتخذ وكيفية منع تكراره.
يجب على ديوان المحاسبات أن يوضح آخر وضع للمتابعة، والإجراءات المتخذة لتحديد المسؤوليات المحتملة وكيفية متابعة إصلاح الآلية المشار إليها. كما يجب على وزارة الصناعة والمناجم والتجارت أن توضح ما إذا كان تسجيل الطلب محل النقاش لا يزال سارياً، وما الإجراء المتخذ للتحقق من الالتزام المقدم، وهل خضعت إجراءات تطبيق الاستثناءات لمراجعة أم لا.
كما يلزم توضيح ما إذا كانت امتيازات مماثلة قد مُنحت بآلية مماثلة، وإذا وُجدت حالات مماثلة، ما التدابير المتخذة للتحقيق فيها.
في النهاية، ليست قضية واردات الهاتف المحمول مجرد مسألة طريقة منح تسجيل طلب واحد؛ إنها تثير تساؤلاً أوسع حول العلاقة بين صلاحيات الجهاز التنفيذي وشفافية القواعد ورقابة الجهات المسؤولة ودور المشرع في منع تشكّل امتيازات غير تنافسية. الآن ينبغي أن نترقب توضيحات وزارة الصناعة والمناجم والتجارت ونتائج متابعات ديوان المحاسبات وموقف البرلمان من هذه القضية، وما إذا كانت هذه المتابعات ستؤدي إلى تحديد مسؤوليات محتملة وإصلاح الممارسات المسببة للمشكلات وتعزيز الشفافية في عملية الاستيراد أم لا./ ايسنا