علاقات صناعة السيارات الأمريكية والصينية تدخل مرحلة جديدة. ووفقا لتقرير ايتنا، صانعو السيارات الأمريكيون الذين اعتبروا لسنوات الصين واحدة من أسواق النمو الأهم وكذلك قاعدة إنتاج، يتراجعون الآن عن وجودهم في هذا البلد؛ بينما ينافسهم الصينيون بتطوير سريع للمنتجات وزيادة قدرة الإنتاج، ليقتربوا من الأسواق العالمية بما فيها أمريكا.
أعلنت شركة فورد أنها ستوقف إنتاج سيارات العلامة الفاخرة Lincoln في الصين للتصدير إلى أمريكا. وتعتزم الشركة زيادة إنتاج سيارات لينكولن في مصانعها داخل أمريكا، بما في ذلك منشآتها في لويزفيل وشيكاغو.
من جهة أخرى، جنرال موتورز بحسب تقارير تتوقف عن بيع سيارات علامة Chevrolet في الصين. ومع ذلك، ستواصل الشركة إنتاج سيارات شيفروليه في الصين للتصدير إلى أسواق أخرى وتركز في سوق الصين أكثر على علامتي Buick وCadillac.
تشير هذه التغييرات إلى تراجع جاذبية سوق الصين لصانعي السيارات التقليديين الأمريكيين. كانت الصين فيما مضى واحدة من أهم محركات نمو شركات صناعة السيارات العالمية، لكن في السنوات الأخيرة نمى صانعو السيارات المحليون في الصين، من بينهم BYD وGeely، بسرعة كبيرة ووسعوا حضورهم في الأسواق الدولية أيضا.
أحد أهم أسباب هذا التحول هو المنافسة السعرية الشديدة في صناعة السيارات بالصين. أدت القدرة الإنتاجية العالية لصانعي السيارات الصينيين إلى دخول الشركات في حرب أسعار للحفاظ على حصصها السوقية وعرض منتجاتها بأسعار أكثر تنافسية في أسواق مختلفة. وفي الوقت نفسه، تحسنت جودة السيارات الصينية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة وتقلصت الفجوة بينها وبين منتجات صانعي السيارات الأمريكيين والأوروبيين واليابانيين والكوريين.
بحسب تقرير AXIOS، كانت لهذه الظروف عواقب وخيمة على صانعي السيارات القدامى. وفق ما قاله تو لو، مؤسس معهد Sino Auto Insights، فإن الشركات الصينية هي الفاعلون الكبار الوحيدون في صناعة السيارات الذين لا يزالون ينمون، بينما يقوم صانعو السيارات التقليديون بتقليص أعداد موظفيهم على نطاق واسع.
لكن الجزء الأكثر إثارة في القصة هو أنه بالرغم من جهود أمريكا لتقييد دخول السيارات الصينية، قد تجد هذه الشركات طريقا آخر للوصول إلى سوق أمريكا: الإنتاج في أمريكا الشمالية. لا تزال صادرات السيارات مباشرة من الصين إلى أمريكا تواجه عقبات تجارية ورسوم جمركية جدية. ولهذا السبب، يعتقد بعض الخبراء أن صانعي السيارات الصينيين قد يبنون مصانع في المكسيك أو حتى داخل أراضي أمريكا ويستفيدون من القدرة الإنتاجية الإقليمية لدخول سوق أمريكا بدلا من إرسال سيارات مصنوعة في الصين.
يمكن للمكسيك أن تلعب دورا مهما في هذا السياق. تسعى حكومة المكسيك في المفاوضات المتعلقة بمراجعة اتفاقية التجارة بين أمريكا والمكسيك وكندا إلى تخفيض تعريفات السيارات المنتجة في أمريكا الشمالية. حاليا تفرض أمريكا رسوما بنسبة ٢٥ في المئة على المحتوى غير الأمريكي للسيارات المستوردة من كندا والمكسيك، والمكسيك تطالب بخفض هذه النسبة إلى ١٠ في المئة.
مع ذلك، لا يزال طريق دخول صانعي السيارات الصينيين إلى أمريكا غير سهل. تخشى الحكومة الأمريكية من استخدام المكسيك كمسار للالتفاف على تعريفات استيراد الصين، وقد اتهمت واشنطن مؤخرا المكسيك بالسماح بنشاط بعض الشبكات المرتبطة بشركات صينية التي تسهل دخول منتجات الصين بشكل غير مباشر.
من جهة أخرى، تضع قيود التكنولوجيا عائقا آخر. سبق لأمريكا أن قيّدت استخدام بعض تقنيات السيارات المتصلة بالإنترنت من أصل صيني، وتم تطبيق هذه السياسة مؤخرا أيضا على العلامة الكهربائية Polestar المملوكة لجهات صينية. ولذلك حتى إنتاج السيارات في أمريكا الشمالية لن يعني بالضرورة وصولا حرا لصانعي السيارات الصينيين إلى سوق أمريكا.
رغم هذه العقبات، تتغير الاتجاهات العامة لصناعة السيارات. من جهة تقلص حضور الشركات الأمريكية في الصين ومن جهة أخرى يبني صانعو السيارات الصينيون قدرات إنتاج خارج الصين. إذا تمكنت هذه الشركات من تجاوز الحواجز التجارية والتنظيمية الأمريكية، فقد تدخل منافستهم مع صانعي السيارات الأمريكيين مرحلة جديدة تماما.
قد يكون لهذا التحول أيضا آثار تتجاوز صناعة السيارات. قد يغير انتقال القدرة الإنتاجية وسلاسل توريد البطاريات وتقنيات السيارات الكهربائية واستثمارات صانعي السيارات الصينيين إلى أمريكا الشمالية ميزان القوة الصناعية بين البلدين؛ لا سيما إذا ما تمكنت السيارات الصينية من دخول سوق أمريكا بأسعار أقل وتقنية منافسة.
في هذه الظروف، لا يمكن اعتبار تراجع فورد وجنرال موتورز عن جزء من سوق الصين مجرد قرار تجاري عادي. هذا الحدث جزء من إعادة ترتيب أوسع لسلسلة صناعة السيارات العالمية؛ إعادة ترتيب تتحول فيها الصين من سوق مهم لصانعي السيارات الغربيين إلى منافس عالمي وربما منافس مباشر على سوق أمريكا نفسها.