سنوات من الجلوس خلف المكتب وقلة الحركة تؤدي إلى عواقب ملموسة على الجسم؛ من تراجع الصحة القلبية الوعائية وتحلل العضلات إلى اضطرابات في الأيض ووضعية جسمية سيئة. مع ذلك، تُظهر الأبحاث أنه حتى بعد عقود من نمط حياة قليل الحركة لا يزال بالإمكان تعويض جزء كبير من هذه الأضرار.
يرتبط الجلوس المطوّل بزيادة خطر أمراض القلب، مقاومة الأنسولين، تصلّب الأوعية، انخفاض القوة العضلية والموت المبكر. والنقطة المهمة أن التمارين المنتظمة تعالج العديد من نتائج نمط الحياة قليل الحركة، رغم أن تقليل مدة الجلوس مهم بنفس القدر.
هل يعود القلب أصغر سناً؟
من بين أهم الأدلة في هذا المجال دراسة بقيادة بنيامين لوين. في هذا البحث، بالغون في منتصف العمر أصحاء كانوا سابقًا في الغالب قليلَي الحركة، مارسوا لمدة عامين تمارين هوائية منظمة أربعة إلى خمسة أيام في الأسبوع. شملت برامجهم تمارين بمستويات كثافة مختلفة وتمارين متقطعة.
بعد عامين، تحسنت الصحة القلبية الوعائية للمشاركين بشكل ملحوظ وانخفض تَصلّب عضلة القلب. بمعنى آخر، صار قلبهم أكثر مرونة؛ وهو تغيير له أهمية في تقليل خطر فشل القلب في السنوات التالية.
والأمر اللافت أن مجموعة أخرى من المشاركين التي مارست في نفس الفترة تمارين يوغا للحفاظ على التوازن وحركات قوة خفيفة لم تظهر تغييرًا مماثلاً في مرونة قلوبهم. هذا الاختلاف يشير إلى أن إجراء تمارين هوائية منتظمة بكثافة كافية له أهمية خاصة لإحداث مثل هذه التغيرات في وظيفة القلب.
بحسب موقع Men’s Fitness، لا يعني هذا أن اليوغا أو تمارين القوة بلا فائدة؛ فهذه التمارين تقدم فوائد مختلفة في زيادة القوة والتوازن والمرونة والأداء العام للجسم.
حتى القليل من الحركة فعّال
لا يلزم أن تصبح رياضياً محترفاً لتستفيد من النشاط البدني. أظهرت دراسات كبيرة أن حتى زيادة بسيطة نسبياً في النشاط اليومي تقلل جزءًا من الخطر المرتبط بالجلوس الطويل.
بالنسبة لشخص يقضي معظم اليوم خلف المكتب، المشي السريع لمدة 10 إلى 20 دقيقة يعد نقطة بداية مناسبة. ويمكن أيضاً تقسيم النشاط البدني إلى فترات أقصر متعددة خلال اليوم.
المهم أن العلاقة بين النشاط البدني والصحة ليست خطية؛ الانتقال من «قليل جداً من النشاط» إلى «قليل من النشاط» يعود بفوائد كبيرة، وزيادة النشاط أكثر عادة ما تقدم فوائد إضافية.
ما الذي يمكن تحسينه؟
سنوات من قلة الحركة لا تعني بالضرورة أضراراً لا رجعة فيها. مؤشرات مثل الصحة القلبية الوعائية والتمثيل الغذائي، والقدرة وحجم العضلات، والعديد من الشذوذات المرتبطة بوضعية الجسم يمكن تحسينها بفضل التمرين المنتظم حتى بعد سنوات من الخمول.
لكن هذه التغيرات لا تحدث بين ليلة وضحاها. في دراسة مرونة القلب، مارس المشاركون التمارين بانتظام لمدة عامين. لذا بضعة أسابيع من التمرين لا تكفي لمحو آثار عقود من قلة الحركة تماماً.
وقت البداية مهم أيضاً. الأدلة تشير إلى أن بدء النشاط البدني المنتظم في منتصف العمر لا يزال يخلق نتائج قابلة للقياس وإيجابية، لكن مع التقدم في السن يصبح تعديل بعض التغيرات التركيبية في القلب أصعب.
الرياضة وحدها غير كافية؛ اجلس أقل
التمارين المنتظمة وتقليل وقت الجلوس موضوعان مرتبطان لكن منفصلان. ساعة تمرين يومية لا تعوض تماماً حاجة الجسم إلى الحركة في بقية ساعات اليوم.
القيام من على الكرسي على فترات منتظمة، والمشي لبضع دقائق، واستخدام السلالم، وأداء الأعمال اليومية في وضعية الوقوف تقلل من زمن الخمول. إلى جانب ذلك، يجمع برنامج يتضمن تمارين هوائية وتمارين قوة بينهما لتحسين صحة القلب والعضلات والأيض.
هل فعلاً يمكن «عكس» 20 سنة من الجلوس؟
قد تكون كلمة «عكس» تعبيراً مطلقاً مبالغاً فيه. لا يمكن ضمان شفاء جميع نتائج عقدين من قلة الحركة تماماً، لكن الأدلة تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من تراجع اللياقة وبعض التغيرات القلبية والتمثيل الغذائي يمكن أن يتحسن. الفكرة القائلة بأن أضرار الجلوس لا مفرّ منها ودائمة لا تتوافق مع الأدلة العلمية. حتى بدء النشاط البدني في منتصف العمر يُحدث نتائج قابلة للقياس.
الحل ليس معقَّدًا: حرّك نفسك أكثر خلال اليوم، مارس تمارين هوائية منتظمة، أدرج تمارين قوة في روتينك اليومي والأهم استمرارية. الجسم لا ينسى ماضيه، لكنه يملك قدرة كبيرة على التكيّف مع روتينك الجديد.