أغلبنا تعامل بدرجة ما مع القلق والتوتر. نعزوه إلى الحياة المزدحمة، المرور بفترة صعبة أو حتى جزء من شخصيتنا. مع ذلك، هناك حد فاصل بين التوتر الطبيعي للحياة والقلق الذي يتولى تدريجيا جزءا كبيرا من الحياة اليومية؛ حد يتجاوزه كثير من الناس قبل أن يلاحظوا.
الجزء الصعب أن القلق يبدو منطقيًا عند ظهوره مباشرة. تقريبا لكل علامة عليه تفسير مقنع، وهذا يجعل الأعراض الجدية غالبا ما تُهمل تحت عناوين مثل «مجرد توتر وتعب بسيط» أو «هذا سيمر»؛ حتى يصبح من المستحيل تجاهلها.
لكي يتبين مكان هذا الحد بالضبط، أجرى روبين ريفون حوارا مع الدكتورة جيل ليشتشين، طبيبة نفسية معتمدة في بوكا راتون بفلوريدا. تعتمد في علاجاتها على ما يثبته الدليل، وتعالج طيفا واسعا من الاضطرابات النفسية لدى الأطفال والمراهقين والبالغين.
في هذا الحوار تحدثت ليشتشين عن علامات يجب أخذها بجدية؛ من أعراض جسدية يسيء كثيرون تفسيرها إلى اللحظة التي يصبح فيها الاستمرار والتحمل حلا غير مناسب. كما شرحت كيف يلقي القلق تدريجيا بظلاله على القرارات والعلاقات وجودة الحياة لدى الأشخاص دون أن يلاحظوا التغير في البداية.
نقاط رئيسية
القلق الذي يظهر تقريبا يوميا ويعطل أدائك اليومي هو أكثر من توتر عادي.
الأعراض الجسدية مثل انزعاج المعدة، ألم صدر، طحن الأسنان ونوم غير جيد غالبا ما تُنسب خطأ إلى مشكلات أخرى.
الابتعاد عن الناس وبعض الأماكن والبرامج علامة تحذيرية تدل على أن القلق يصغر عالمك تدريجيا. بحسب الدكتورة ليشتشين، اضطراب القلق يشبه قلقا موقفيا لا ينتهي أبدا.
الكحول، الماريجوانا والسجائر عادة ما تزيد القلق لا تقلله.
القلق قابل للعلاج وقد يشمل العلاج نفسيات، أدوية أو مزيجا منهما.
عندما يتحول التوتر اليومي إلى شيء آخر
التوتر عادة ما يأتي ثم يزول، لكن القلق على المستوى السريري يميل إلى الاستمرار. عندما سئلت الدكتورة جيل ليشتشين كيف تفرق بين الاثنين، قالت إن أهم معيار هو تكرار الأعراض ومدى تأثيرها على حياة الشخص.
شرحت: «عندما يحدث القلق تقريبا كل يوم، أو معظم ساعات اليوم، تقريبا كل يوم، يشغلك ويؤثر على قدرتك على أداء الأعمال اليومية، فهنا لم تعد تتعامل مع توتر عادي.»
بعبارة أخرى، المسألة ليست فقط أنك تشعر بالقلق أحيانا. السؤال الرئيسي هل أخذ القلق تدريجيا زمام برامجك اليومية، نومك، قراراتك واختياراتك أم لا.
أعراض جسدية كثيرون يجهلون ارتباطها بالقلق
غالبا ما يُنظر إلى القلق كحالة ذهنية فقط، لكن لدى كثير من الناس تظهر أولى علاماته في أجسامهم. تقول ليشتشين إن ذلك متجذر في آليات الجسم البيولوجية. بحسبها، القلق مرتبط ارتباطا وثيقا برد فعل «القتال أو الهروب». هذا الرد يفرز هرمونات التوتر؛ هرمونات تخلق، للمساعدة على البقاء، أعراضًا جسدية متنوعة.
نفس آلية البقاء تجعل قائمة الأعراض الجسدية للقلق طويلة وكثير منها يختلط بسهولة مع أمراض أخرى. تقول ليشتشين إن مشاكل الجهاز الهضمي من بين أكثر هذه الأعراض شيوعا، مثل الغثيان، الإسهال، القيء، انزعاج المعدة والشعور بعقدة أو ضغط غامض في البطن.
نتائج القلق قد تظهر أيضا على شكل ألم أو شعور بضيق في الصدر، تعرق مفاجئ أو خفقان. النوم أيضا من أول الضحايا وهو لا يقتصر على الأرق. الأحلام الواضحة جدا، التعب المزمن، توتر العضلات، طحن الأسنان، اضطراب المفصل الفكي الصدغي (TMJ) ومتلازمة الساقين القلقتين جزء من هذه النتائج. مع ذلك تؤكد ليشتشين نقطة مهمة: «قبل أن نعزو هذه الأعراض إلى القلق، يجب أولا استبعاد وفحص الأسباب الجسدية المحتملة.»
علامات دقيقة تُغفل بسهولة
أحد أسباب صعوبة تشخيص القلق هو أنه غالبا ما يبدو منطقيا. تقريبا لكل علامة تبرير. عندما سئلت الدكتورة جيل ليشتشين عن علامات يتجاهلها الناس عادة، قالت إن هذه العلامات غالبا ما تُبرر بعبارات مثل «مجرد توتر وتعب بسيط» أو «هذا جزء من شخصيتي».
بحسبها، كثير من الناس لا يأخذونه بجدية حتى يتحول إلى مشاكل أكثر خطورة مثل نوبات ذعر (بانك أو هلع)، الإنهاك، مشاكل جسدية مزمنة، تدهور العلاقات أو تراجع الأداء الوظيفي. في هذه الحالات تبدو هذه المبررات منطقية وحتى مسؤولة، لكن ثمنها هو منح القلق فرصة للتمدد والتفاقم.
قلق موقفي أم اضطراب قلق؟
تقريبا كل الناس يشعرون بالقلق قبل عرض مهم، اختبار أو مقابلة صعبة، لكن هذا القلق مؤقت ويزول بعد انتهاء الموقف. اضطراب القلق ليس كذلك.
تقول ليشتشين: «اضطراب القلق حالة مرضية. يعيق الحياة اليومية للشخص، يتكرر تقريبا كل يوم ويستمر بدلاً من أن يكون لحظة عابرة في الحياة.» لتوضيح الفرق تستخدم تشبيها بسيطا: «اضطراب القلق مثل قلق موقفي لا يزول أبدا.»
كيف يصغر القلق عالمك تدريجيا؟
بحسب ليشتشين، بعض أهم علامات القلق لا تظهر كأعراض جسدية أو نفسية بل في سلوك الشخص. تقول إن للقلق بعدا سلوكيا واضحا جدا. يبتعد الناس تدريجيا عن كل ما يسبب لهم الضيق أو القلق ومع مرور الوقت هذه التجنبات الصغيرة تغير مسار حياتهم.
تصف ليشتشين هذا النمط بعبارة «بعيد عن العين بعيد عن البال». تُرفض الدعوات واحدة تلو الأخرى، لا تعد بعض الأماكن وجهة للشخص والعلاقات ببعض الناس تُقطع تدريجيا. كل قرار من هذه القرارات يبدو لحظة اتخاذه اختيارا منطقيا، لكن في النهاية قد يكتشف الشخص أن العالم الذي يعيش فيه أصغر كثيرا مما كان عليه.
عندما يولد القلق عادات غير صحية
عند بعض الأشخاص يقود القلق تدريجيا إلى تعاطي مواد أو سلوكيات تبدو مهدئة ظاهريا. تقول ليشتشين إن كثيرين يلجأون إلى الكحول، الماريجوانا أو التدخين لتخفيف القلق، لكن هذه الحلول غالبا ما تعكس النتائج على المدى الطويل.
تشرح: «هذه المواد قد تخلق شعورا بالراحة على المدى القصير، لكنها على المدى الطويل تزيد القلق.»
بحسبها يمكن أن يتشكل هذا الدوامة بسرعة؛ يلجأ الشخص إلى مادة أو سلوك للهروب من القلق فيشعر بتحسن، لكن مع زوال أثرها يعود القلق بقوة أكبر مما يعزز الاعتماد على ذلك السلوك. تؤكد ليشتشين أن كسر هذه الدوامة عادة ما يكون صعبا دون معالجة السبب الجذري للقلق.
متى يجب طلب مساعدة مختص؟
إذا وصل القلق إلى درجة تؤثر على العلاقات، العمل، الدراسة أو جودة حياتك اليومية، فلا ينبغي اعتباره مجرد جزء من الشخصية أو نتيجة ضغوط الحياة.
تقول ليشتشين إن كثيرين يعيشون مع القلق سنوات لأنهم يظنون أنهم يجب أن يتحملوه أو أن الوضع لن يتغير أبدا. والحقيقة ليست كذلك. تقول: «يمكن علاج القلق.»
بحسب هذه الطبيبة النفسية، قد يشمل العلاج بحسب حالة كل فرد علاجًا نفسيًا، أدوية أو مزيجا من الاثنين. الأهم أن يعرف الناس أنهم ليسوا مضطرين لمواجهة قلق يعطل حياتهم اليومية بمفردهم.
تؤكد ليشتشين في الختام أنه كلما بدأ العلاج مبكرا زادت فرصة عودة الشخص إلى حياة طبيعية ومنع القلق من أن يصبح مزمنا.
أنواع القلق ولماذا أهمية تمييزها
القلق ليس حالة واحدة ويظهر بأشكال مختلفة. تشرح الدكتورة جيل ليشتشين أنواع القلق المختلفة وتشير إلى عدة اضطرابات متميزة.
بحسبها، اضطراب القلق العام يعرف بالقلق المستمر بشأن تقريبا كل جوانب الحياة. بينما يظهر القلق الاجتماعي أكثر عند مواجهة مواقف اجتماعية، والرهاب الشديد (الفوبيا) يتضمن الخوف من محفزات أو ظروف معينة. كما أشارت إلى نوبات الذعر (الهلع) وهي فترات قصيرة لكنها شديدة من الخوف والشعور بالعجز.
تؤكد ليشتشين أن تشخيص نوع القلق ليس نقاشا نظريا أو أكاديميا فحسب، بل يؤثر مباشرة على اختيار طريقة العلاج. تقول: «تمييز نوع القلق مهم لأن أفضل علاج يعتمد على السبب الكامن.»
بحسبها قد يظهر لشخصين أعراض متشابهة ظاهريا لكن لتحسن كل منهما يحتاج إلى مسار علاجي مختلف تماما.
متى يجب التوقف عن التحمل ومراجعة مختص؟
كثير من الناس يعتبرون التحمل قوة ويحاولون لأشهر أو حتى سنوات الاستمرار في حياتهم رغم القلق. لكن ليشتشين ترى أن هذا النهج ليس دائما مفيدا أو صحيحا.
تقول إن هناك حدًا واضحًا؛ عندما يصبح تأثير القلق على الأداء اليومي، الصحة الجسدية، العلاقة أو قدرة الشخص على الحفاظ على عمله واضحا، فقد حان وقت التوقف عن التحمل.
توضح: «بشكل عام، عندما تصبح أضرار القلق ظاهرة في الحياة اليومية فقد حان وقت طلب مساعدة مختص.»
بحسب هذه الطبيبة النفسية، اللجوء للعلاج ليس علامة فشل أو ضعف، بل إجراء لمنع مشكلة من التعمق والتي إن أهملت ستؤثر على مختلف جوانب حياة الشخص.
كيف يكون العلاج الفعال؟
الخبر الجيد، وربما الجزء الذي لم يتوقعه كثيرون، هو أن علاج القلق متاح وفعال جدا. عندما سئلت الدكتورة جيل ليشتشين ماذا يتوقع الناس عند بدء العلاج، شرحت أن هناك خيارات علاجية متعددة ويعتمد اختيارها على حالة كل فرد.
قالت: «العلاج الفعال قد يشمل العلاج المعرفي السلوكي، العلاجات السلوكية والأدوية؛ كل منها بمفرده أو بالاشتراك حسب حالة الشخص.» بحسبها لا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع ويجب تخصيص خطة العلاج لاحتياجات كل مريض.
كما شرحت ليشتشين أن علامات نجاح العلاج غالبا ما تظهر بترتيب معين. قالت: «عندما تشعر أن طريقتك في التفكير تغيرت وهذا التغيير جعلك تتصرف بشكل مختلف وفي النهاية تشعر بشكل مختلف، فهذا يعني أن العلاج يسير في المسار الصحيح.»
بحسبها، يحدث التغيير أولا في نمط التفكير، ثم يتغير السلوك وأخيرا تتبدل المشاعر تبعا لذلك.
عادات تزيد القلق دون قصد
كثير من الناس يلجأون إلى حلول متاحة لتخفيف القلق، لكن هذه الحلول أحيانا تعمق المشكلة. عندما سئلت ليشتشين عما يفعله الناس عادة والذي يفاقم القلق بدل أن يخففه، أشارت إلى ثلاثة: «الكحول، الماريجوانا والتدخين.»
شرحت أنه رغم أن هذه المواد قد تخلق شعورا بالراحة على المدى القصير، إلا أنها غالبا ما تزيد القلق على المدى الطويل وتدخل الشخص في دورة يصعب الخروج منها.
إذا كان الشعور بالخجل يمنع طلب المساعدة
عند كثير من الناس أكبر عائق أمام العلاج ليس القلق نفسه بل الشعور بالخجل من طلب المساعدة. عندما سئلت ليشتشين ماذا تقول لشخص يشعر بالخجل أو القلق من زيارة مختص، أجابت: «القلق لا يختلف عن السكري أو ارتفاع ضغط الدم. إنه مرض يمكن علاجه.» بحسبها، كما يراجع الناس الأطباء للأمراض الجسدية بدون شعور بالخجل، يجب أن يكون الحصول على مساعدة للقلق أمرا طبيعيا بنفس القدر.