تخيل أنّك تنتظر عدّة ثوانٍ فقط لفتح موقع إلكتروني، إرسال رسالة أو إجراء مكالمة فيديو. وراء هذه التجربة البسيطة توجد شبكة هائلة من بنى الاتصالات التحتية تمتدّ لآلاف الكيلومترات تحت المحيطات. جزء كبير من حركة مرور الإنترنت العالمي يُنقل بين القارات عبر كابلات بحرية والألياف الضوئية الموجودة فيها.
الكابلات البحرية هي واحدة من أجزاء البنية التحتية العالمية للإنترنت التي تُرى أقلّ لكنها حيوية. هذه الكابلات تربط مراكز البيانات وشبكات الاتصالات والبُنى التحتية للدول المختلفة وتتيح نقل كميات هائلة من البيانات.
مع ذلك، تلف أو قطع أحد هذه الكابلات لا يعني بالضرورة انقطاع كامل للإنترنت في دولة ما. هيكل الشبكة مصمّم بحيث أنّ حركة البيانات في كثير من الحالات يمكن أن تمر عبر مسارات أخرى. بالطبع في المناطق التي تعتمد على عدد محدود من الكابلات البحرية، قد تكون تداعيات القطع أكثر وضوحًا.
شبكة هائلة تحت المحيطات
تتكوّن الكابلات البحرية من ألياف ضوئية وتنقل البيانات على شكل إشارات ضوئية بسرعة فائقة. هذه الألياف موضوعة داخل عدة طبقات حماية حتى يصمد الكابل في ظروف قاع البحر الصعبة.
هذه الكابلات لا تعمل بشكل منفصل ومستقل عن بعضها، بل هي جزء من شبكة واسعة ومترابطة. وجود مسارات متعددة يسمح في حال حدوث مشكلة في مسار واحد بأن تنقل الشبكة جزءًا من الحركة إلى مسارات بديلة.
لهذا السبب، في كثير من الحالات قد لا يلاحظ المستخدمون حتى انقطاع كابل؛ لأن اتصالاتهم تُستمر دون انقطاع عبر مسار آخر.
ماذا يحدث عندما ينقطع كابل؟
قد يؤدي تلف كابل بحري إلى أن تغير شبكات الاتصالات مسار نقل البيانات. إذا كانت المنطقة المعنية تملك وصولاً إلى عدد كبير من المسارات البديلة، فقد لا يؤثر هذا التغيير بشكل كبير على تجربة المستخدمين.
لكن الوضع يختلف بالنسبة للدول أو الجُزر التي تعتمد على عدد محدود من الكابلات البحرية. في مثل هذه الحالات تُوجَّه حركة مرور أكبر إلى المسارات المتبقية وهذا قد يضع ضغطًا أكبر على البُنى التحتية القائمة.
نتيجة لذلك، قد يواجه المستخدمون انخفاضًا في سرعة الإنترنت أو ازديادًا في الكمون، وقد تتأثر بعض الخدمات الرقمية لفترة من الزمن.
هذه المسألة لا تقتصر على المستخدمين العاديين فقط. الشركات التي تعتمد في أنشطتها اليومية على اتصالات دولية مستقرة، خدمات سحابية، مراكز بيانات والاتصالات بين المؤسسات قد تواجه مشاكل أيضًا في حال تعرّض المسارات الاتصالية للاضطراب.
ما الذي يسبّب تلف الكابلات البحرية؟
رغم طبقات الحماية، تظل الكابلات الموضوعة في قاع المحيط عرضة لعوامل مختلفة. الأنشطة البشرية تُعدّ من العوامل المهمة في إلحاق الضرر بهذه البنى التحتية.
السفن وعمليات الصيد، ولا سيما مراسي السفن وشباك الصيد، يمكن أن تشكل خطرًا كبيرًا على الكابلات البحرية في بعض المناطق.
العوامل الطبيعية هي أيضاً من التهديدات الأخرى لهذه البنى التحتية. الزلازل تحت البحر وانزلاقات التربة قد تُلحق ضررًا بأجزاء من الكابلات. بالإضافة إلى ذلك، بعض الأعطال قد تكون ناجمة عن خلل فني في مكونات الكابل أو المعدات المرتبطة به.
طول هذه الكابلات الكبير جدًا يجعل أيضاً عملية تحديد مكان العطل وإصلاحه أمراً صعبًا. عندما يمتد كابل لآلاف الكيلومترات في قاع البحر، قد يكون إيجاد موقع الضرر والوصول إليه عملية معقّدة.
كيف تُجرى عملية إصلاح الكابلات؟
بعد تحديد موقع العطل، تدخل شركات متخصّصة وسفن صيانة للعمل على المشكلة. هذه السفن مجهّزة بمعدات خاصة تتيح الوصول إلى الكابل في قاع البحر ورفعه إلى السطح.
بعد الوصول إلى الجزء المتضرر، تُحدد القطعة المعطلة وتُصلَح أو تُستبدَل ثم يُعاد وضع الكابل في مكانه.
مدة إجراء هذه العمليات تعتمد على عوامل مختلفة؛ بما في ذلك موقع العطل، عمق المياه، حالة البحر ومدى توافر سفن متخصصة لإصلاح الكابلات.
لذلك، إعادة مسار بحري إلى وضعه الطبيعي ليست دائمًا عملية فورية وقد تستغرق أوقاتًا مختلفة بحسب الظروف.
الإنترنت ليس معتمداً على كابل واحد
الهيكل العالمي للإنترنت ليس معتمداً على كابل واحد أو حتى مسار اتصال محدّد. مجموعة من الكابلات البحرية، المسارات البرية، مراكز البيانات وشبكات الاتصالات تعمل معًا لتوفير نقل وتوزيع حركة البيانات.
وجود هذه الشبكة الواسعة يجعل من تعطل كابل في كثير من الحالات غير مؤدٍ إلى قطع كامل للاتصالات. ومع ذلك، كلّ قطع قد يضغط على سعة المسارات البديلة وفي المناطق التي تتوفر فيها خيارات أقل، يخلق تأثيرًا أكبر.
في الواقع، كل رسالة، مكالمة فيديو، بحث أو وصول إلى خدمة عبر الإنترنت قد يمر جزء من مساره عبر بنى تحتية موضوعة في أعماق المحيطات.
لذلك، قطع كابل بحري لا يوقف الإنترنت بالضرورة، لكنه قد يُضعِف قدرة الشبكة على نقل الحركة عبر المسارات البديلة والحفاظ على الاتصال بين القارات.