لم تعد الهواتف الذكية اليوم تعتمد على ميكروفون بسيط لالتقاط الصوت. معظم الهواتف تحتوي على عدة ميكروفونات موضوعة في أجزاء مختلفة من الهيكل، وكل منها يلتقط صوت المحيط من موقع يختلف قليلاً.
هذا الاختلاف البسيط يزوّد نظام الصوت في الهاتف بمعلومات ثمينة. عندما يتحدث شخص ما، يصل صوته إلى الميكروفونات المختلفة بفوارق زمنية وشدات مختلفة. يمكن لمعالج الهاتف أن يستخدم هذه الفوارق لتقدير اتجاه مصدر الصوت وتحديد أي إشارة من المحتمل أن تكون مرتبطة بالمتحدث الأساسي.
كيف تساعد عدة ميكروفونات في إزالة الأصوات المزعجة؟
تخيل أنك تتحدث بالهاتف في الشارع. يصل صوتك إلى الهاتف من اتجاه واحد، بينما تأتي أصوات السيارات والأشخاص الآخرين ومصادر صوتية أخرى من اتجاهات مختلفة.
يمكن للهاتف مقارنة المعلومات التي تلتقطها الميكروفونات المختلفة مع بعضها البعض. تتيح هذه العملية تعزيز الإشارة القادمة من الاتجاه المطلوب وتقليل الإشارات التي وردت من اتجاهات أخرى.
إحدى التقنيات المهمة في هذه المرحلة هي Beamforming أو تشكيل الحزمة. في هذه الطريقة، يوجه النظام باستخدام مصفوفة من الميكروفونات تركيزه نحو مصدر صوت محدد. نتيجة لذلك، يصبح صوت الشخص المراد أكثر بروزًا مقارنة بجزء من الضوضاء المحيطة.
بالطبع لا يمكن لـ Beamforming بمفرده إزالة كل الأصوات المزعجة. لهذا السبب، بعد التقاط الصوت تبدأ مرحلة أخرى من المعالجة.
تدخل المعالجة الرقمية حيز التنفيذ
الإشارة الخام التي يلتقطها الميكروفون هي مزيج من صوت المتحدث وصوت البيئة المتنوع. يقوم معالج الصوت في الهاتف بتحليل هذه الإشارة لتقليل الضوضاء غير المرغوب فيها.
بعض الأصوات أسهل نسبيًا في التعرف عليها. على سبيل المثال، يمكن تقليل صوت المروحة الثابت أو محرك السيارة أو الضوضاء الخلفية المستقرة إلى حد كبير بواسطة طرق معالجة الإشارة.
لكن تصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما تكون ضوضاء البيئة شبيهة بالكلام البشري؛ على سبيل المثال، عندما يتحدث عدة أشخاص في نفس الوقت. في مثل هذه الظروف، يجب على النظام بالإضافة إلى شدة واتجاه الصوت أن يفحص خصائص صوتية أكثر تعقيدًا.
الذكاء الاصطناعي يساعد الهاتف
في الهواتف الحديثة، يلعب التعلم الآلي دورًا مهمًا في معالجة الصوت. يمكن لنماذج الصوت أن تتعلم من خلال أمثلة كثيرة جدًا من الكلام والضوضاء لتفرق بشكل أفضل بين صوت الإنسان والأصوات المزعجة.
يمكن لهذه النماذج أن تساعد النظام على تحديد أجزاء الإشارة التي من المحتمل أن تحتوي على كلام وتقليل الضوضاء الموجودة فيها. في بعض التقنيات المتقدمة، قد تحاول النماذج العصبية حتى استخراج كلام شخص واحد من بين عدة متحدثين أو من بيئات شديدة الازدحام.
الهدف في هذه المرحلة ليس بالضرورة إنتاج صوت يبدو طبيعيًا تمامًا لأذن الإنسان؛ بل في العديد من التطبيقات الهدف الرئيسي هو إنتاج إشارة يمكن لنظام التعرف على الكلام أن يفهمها بشكل أفضل.
هل يعرف الهاتف صوتك؟
هنا يجب التمييز بين مفهومين مختلفين: فصل صوت المتحدث والتعرف على هوية المتحدث.
عندما يحاول الهاتف فصل صوتك عن صوت السيارات أو الأشخاص المحيطين، فهذا لا يعني بالضرورة أنه يعلم من أنت. في هذه المرحلة يحاول فقط استخراج الكلام المطلوب من بين الأصوات الأخرى.
لكن بعض الخصائص يمكن أن تستخدمها ميزات معينة للتعرف على هوية المتحدث أو تأكيدها. وتعتمد هذه القدرة على نوع النظام وتطبيقه.
لذا، عندما يفهم مساعد الهاتف الصوتي أمرك بشكل صحيح في بيئة صاخبة، فهذا لا يعني بالضرورة أن الهاتف قد تعرف على هويتك؛ قد يكون فقط قد نجح في فصل كلامك عن الضوضاء.
من اهتزاز الهواء إلى التحويل إلى نص
بعد المعالجة والتنقية الجزئية للإشارة، تبدأ مرحلة التعرف التلقائي على الكلام. في هذه المرحلة، يحاول نظام الصوت تحويل النمط الموجود في الموجة الصوتية إلى وحدات لغوية ثم إلى كلمات.
على سبيل المثال، عندما تملي رسالة صوتيًا، المسار العام يكون كالتالي: يلتقط الميكروفون الصوت، تقلل معالجة الصوت الضوضاء، تحلل خوارزميات الكلام الإشارة، وفي النهاية يحول نظام التعرف على الكلام ذلك إلى نص.
تتم كل هذه المراحل في جزء من الثانية، ولهذا السبب عادة لا يدرك المستخدم سلسلة المعالجات المعقدة التي تحدث بين نطق جملة وظهور نصها على الشاشة.
الهاتف في الواقع ليس "أذن" واحدة
نتيجة لذلك، قدرة الهواتف الذكية على سماع صوت المستخدم في بيئات مزدحمة ليست نتيجة تقنية واحدة. تعمل عدة ميكروفونات ومصفوفات صوتية ومعالجة الإشارة الرقمية وBeamforming وخوارزميات إلغاء الضوضاء ونماذج التعلم الآلي معًا.
تجعل هذه التركيبة الهاتف قادرًا على استخراج الإشارة التي لديها أعلى احتمال لاحتواء كلام المستخدم من بين أصوات السيارات والموسيقى ومحادثات الأشخاص وغيرها من أصوات المحيط، ثم تزويد نظام التعرف على الكلام بها.
بالطبع أداء هذه التقنيات ليس مثاليًا، ولا تزال البيئات شديدة الضوضاء، وجود عدة متحدثين في آن واحد، البعد الكبير عن الهاتف أو الأصوات المفاجئة قادرة على خفض دقة النظام. مع ذلك، جعلت تقدمات معالجة الصوت ونماذج الذكاء الاصطناعي الهواتف الحديثة قادرة على التعرف على كلام الإنسان بدقة ملحوظة في ظروف كانت صعبة جداً بالنسبة لميكروفون واحد عادي.