منذ أشهر، في تجربة مستخدمي الإنترنت في إيران، خصوصاً عند الاتصال ببرامج فك الحظر، ظهر ظاهرة جديرة بالاهتمام. تتعلق هذه الظاهرة ببث محتويات إجبارية عند فتح التطبيق مباشرة تُعرض ظاهرياً كـ «إعلانات تجارية»، لكن طبيعتها ورسالتها ووظيفتها لا تشبه بأي حال من الأحوال قواعد التسويق التجاري المعتادة.
هذه الملاحظة تحذير بشأن حدث يتجاوز كونه إعلاناً بسيطاً، ويستدعي التحليل في ميدان حوكمة الفضاء الرقمي والأمن النفسي للمجتمع.
التأمل في هذا الشأن من منظور العلوم الاجتماعية السياسية والاتصالات يكشف أبعاداً مهمة:
أولاً، تحويل طبيعة الإعلان من سلعة إلى يأس: بينما تهدف الإعلانات التجارية إلى تقديم خدمات أو سلع، تركز هذه المحتويات على ضخ عجز البنية، وتعميق الانقسامات، والتحريض على القلق. هنا تُشترى انتباه الجمهور للتلاعب بالرأي العام.
ثانياً، آلية التمويل ومؤجري اللوحات الإعلانية: مصممو برامج فك الحظر ليسوا بالضرورة منتجي هذه الرسائل؛ هم مجرد يؤجرون مساحة تطبيقهم كما لو كانت لوحة إعلانية. تعمل أنظمة الإعلان الدولية كمزادات آلية وتتولى التدفقات الممولة بكثافة حجز هذه المساحات للمستخدمين داخل إيران عبر الدفع الأعلى. ومصمم برنامج فك الحظر يغضّ الطرف عن المحتوى بسبب الربح بالدولار.
ثالثاً، استهداف الضعف النفسي: المستخدم في ثواني الاتصال يكون في قمة الإحباط والغضب الناتجين عن انقطاع الاتصال. يصمم مبدعو الرسائل هذه الفترات الحساسة من التعرض والإيذاء العاطفي لاستقرار اليأس في ذهن المتلقي.
رابعاً، تزوير هوية الجماعات السياسية داخل البلاد: إحدى الحيل الخطيرة هي إنتاج مقاطع باسم وشعار أحزاب وتشكيلات قانونية داخل إيران. الهدف من ذلك هو إضفاء مصداقية على الشائعات، وتكثيف الشك بين الفصائل، وخلق تصارعات مصطنعة داخل البلد.
خامساً، تتبع البيانات السلوكية: هذه الصفحات ليست مجرد رسائل؛ بل تقيس مدة التوقف، والنقر أو تخطي الفيديو. تساعد هذه التفاعلات المصممين على قياس النبض العاطفي للمجتمع وتصميم حملاتهم اللاحقة بدقة أكبر.
سادساً، التآكل النفسي نتيجة التكرار المستمر: المستخدمون الإيرانيون يوصلون ويفصلون برامج فك الحظر عشرات المرات يومياً. هذا التعرض المتكرر لسرديات مولدة للأزمة يغيّر تدريجياً واقع الفرد الذهني ويولّد شعوراً بمأزق اجتماعي.
سابعاً، استغلال جاذبية الذكاء الاصطناعي: استخدام رسوم متحركة جذابة وصناعة وجوه وأصوات حاسوبية يكسر السدود الدفاعية المنطقية للمشاهدين وينقل الرسالة السياسية على شكل فيديو قصير ملفت.
مواجهة هذه الظاهرة تتطلب اعتماد نهج واقعي، إيجابي ومتعدد الأوجه:
١. يجب أن تكون الأحزاب والشخصيات السياسية يقظة تجاه سوء استخدام أسمائها ولوحاتها والرد سريعاً لقطع الطريق على هذه الألعاب الكاذبة.
٢. على صانعي السياسات إعادة النظر في نمط الإغلاق الشامل للإنترنت؛ لأن الحظر الواسع دفع ملايين المواطنين دون قصد نحو ممرات غير آمنة من برامج فك الحظر والتعرّض لهذه الهجمات.
٣. تعزيز الدفاع القانوني والرصد الدولي: لدى منصات توزيع الإعلانات معايير واضحة ضد المحتوى الذي يثير الكراهية وتزوير الهويات. يمكن للهيئات المدنية والقانونية في مجال التكنولوجيا توثيق هذه الانتهاكات وإجبار المنصات المضيفة على المحاسبة وحظر هذه الحملات.
4. من الضروري رفع الثقافة الإعلامية للمجتمع ليعرف المستخدمون أن لا برنامج فك حظر مجاني هو خيري، وأن ثمنه يُؤمن عبر سلامة المستخدم النفسية./صحيفة اعتماد