عند الحديث مع شات بوت مزود بالذكاء الاصطناعي، قد تبدو الشاشة مساحة آمنة للإدلاء باعترافات وطرح أسئلة شخصية بدون الخوف من حكم الآخرين. لكن تحقيق صحيفة واشنطن بوست يظهر أنه إذا تحولت هذه المحادثات إلى جزء من نزاع قانوني أو تحقيق جنائي، فقد تفقد بسرعة خصوصيتها وتتحول من أحاديث شخصية إلى وثائق وأدلة مستخدمة في القضايا القضائية.
استعرضت واشنطن بوست السجلات العامة والتقارير المحلية، وخلال العامين الماضيين حدّت على الأقل 12 قضية اُستخدمت فيها محادثات مع شات بوتات الذكاء الاصطناعي أو استُندت إليها.
تبدأ الصحيفة تحقيقها بقضية صبي مراهق كان قد لجأ إلى «شاتجيپيتي» ليسأل عن معنى كلام والده حول اتفاق مالي محتمل. ومع ذلك، نُشرت محادثاته الخاصة لاحقًا في السجلات العامة بعدما رفع دعوى ضد ميتا وسناب شات وتيك توك ويوتيوب متهمًا هذه المنصات بإحداث إدمان على وسائل التواصل الاجتماعي وظهور مشاكل نفسية.
قادت بعض هذه القضايا إلى تسويات أو رفض الدعاوى. وأكد محامو هذا المراهق أيضًا أن سجلات محادثاته مع «شاتجيپيتي» لم تؤثر على نتيجة القضية.
سجل قد يسبب المتاعب
القيمة القانونية لهذه المحادثات لا تقتصر على الأسئلة التي يطرحها المستخدمون فحسب. بحسب خبراء تحدثوا إلى واشنطن بوست، فإن المحادثة مع روبوتات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكشف معلومات أكثر بكثير من سجل بحث عادي.
في هذه المحادثات يشرح المستخدم تاريخ مخاوفه، يتبادل أسئلة وإجابات مع النموذج وفي النهاية يترك سجلًا لنفسه قد يكشف مجرى تفكيره، الموضوعات التي يحاول فهمها وحتى أمورًا قد يحاول إخفاءها.
وصف أحد الخبراء هذه السجلات بأنها «نافذة إلى أكثر جوانب الحياة خصوصية».
في بعض الحالات، تصل محادثات المستخدمين إلى الشرطة عبر شركات الذكاء الاصطناعي نفسها. بناءً على وثائق قضائية تشير إليها واشنطن بوست، أبلغت شركة OpenAI مكتب التحقيقات الفدرالي عن مستخدم من فلوريدا؛ شخص كان قد قال مرارًا لِـ«شاتجيپيتي» إنه يعتزم مهاجمة صديقته السابقة وقتلها.
تم اعتقال هذا الشخص لاحقًا، واعتُرف بجريمته وأُدين بحكم بإلغاء التنفيذ لمدة ثماني سنوات.
أعلنت OpenAI أنها تستخدم برمجيات لكشف علامات الخطر، ثم تحيل الحالات ذات الصلة إلى مقيمين بشريين للمراجعة، وإذا تم تحديد خطر وشيك ومحتمل، تُبلغ جهات إنفاذ القانون.
من يقرأ محادثات المستخدمين؟
مع ذلك، يثير هذا النهج الوقائي سؤالًا آخر حول حدود المراقبة وخصوصية المستخدمين.
تذكر واشنطن بوست أن طلبات الجهات الحكومية ووكالات إنفاذ القانون للوصول إلى بيانات مستخدمي OpenAI تتزايد بسرعة. في النصف الثاني من عام 2025، كشفت الشركة عن معلومات تتعلق بأكثر من 80 حسابًا؛ وهو رقم يزيد بأكثر من أربعة أضعاف العدد المسجل في نفس الفترة من العام السابق.
المشكلة، كما تشير الصحيفة، أن محادثات المستخدمين مع شات بوتات الذكاء الاصطناعي ليست محمية حاليًا بنفس الحمايات القانونية التي تحمي على سبيل المثال سرية التواصل بين الطبيب والمريض أو بين المحامي والموكل.
طلب سام ألتمان، المدير التنفيذي لشركة OpenAI، حماية خاصة لهذه المحادثات نظرًا لأن المستخدمين يلجأون إلى الشات بوتات لطرح أسئلة حساسة جدًا وخاصة.
مع ذلك، يؤكد خبراء القانون أن المحاكم لم تُدرج هذه الاتصالات بعد ضمن الاتصالات القانونية المحمية. في إحدى القضايا في نيويورك، امتنع قاضٍ فيدرالي عن اعتبار محادثات مسؤول مالي مع نموذج «كلود» سرية، على غرار التواصل بين المحامي والموكل، لأن هذا النموذج ليس محاميًا.
تنهي واشنطن بوست تحقيقها بتحذير يتجاوز النقاشات الجارية. مع اندماج الذكاء الاصطناعي المتزايد في تفاصيل الحياة اليومية، من المتوقع أن يزداد دوره أيضًا في التحقيقات والدعاوى القانونية.
تستشهد هذه التحقيقات بأستاذ قانون الذي يذكّر بأن الشات بوتات ليست سوى «قمة جبل الجليد»، لأن أجزاء أكبر من العالم الرقمي للمستخدمين قد تُوضع مستقبلًا تحت مجهر جهات إنفاذ القانون.