هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي إلى صنع دواء يبطئ أو حتى يعكس عملية شيخوخة الإنسان؟ نتائج دراسة جديدة أعادت طرح هذا السؤال. وجد الباحثون في تحليل حديث أن دواءً صُمم بمساعدة الذكاء الاصطناعي لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب، رُبط لدى المرضى المتلقين للدواء بانخفاض في العمر البيولوجي المتوقَّع وفق ستة نماذج تُعرف باسم «ساعة الشيخوخة».
هذا الدواء الذي يُسمى الآن Rentosertib وكان يُعرف سابقًا باسم ISM001-055، هو مثبط لبروتين TNIK. الشركة المصنِّعة، Insilico Medicine، طورته باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. خضع الدواء لتجربة سريرية مرحلية 2a على 71 مريضًا مصابين بالتليف الرئوي مجهول السبب، وكان الهدف الأساسي تقييم السلامة والتحمل، إلى جانب فحص أولي للفعالية.
في النتائج الأولية لهذه التجربة، أظهر الدواء تحسّنًا في وظائف الرئتين في بعض الجرعات. على سبيل المثال، في مجموعة المتلقين لجرعة 60 ملغ مرة يوميًا، كان متوسط التغير في السعة الحيوية الإجبارية للرئة أو FVC زيادة بحوالي 98.4 ميليلتر، بينما شهدت مجموعة الدواء الوهمي انخفاضًا بنحو 20.3 ميليلتر.
لكن بعدما أجراها الباحثون، فحصوا عينات المصل المجمعة في نفس التجربة من منظور آخر: هل يمكن أن تشير تغيرات بروتينات الدم إلى تغير في العمر البيولوجي للمرضى؟
كيف تعمل ستة ساعات للشيخوخة؟
«ساعة الشيخوخة» ليست ساعة حقيقية، بل مجموعة من النماذج الإحصائية والبيولوجية التي تستخدم بيانات جزيئية، بما في ذلك مستويات البروتينات الموجودة في الدم، لتقدّم مؤشرًا عن الحالة البيولوجية للجسم.
في الدراسة الجديدة، طبق الباحثون ست ساعات للشيخوخة مبنية على البروتيوم على عينات دم المرضى. تحاول هذه النماذج باستخدام أنماط موجودة في آلاف البروتينات تقدير العمر البيولوجي أو بعض المؤشرات المرتبطة بخطر المرض والوفاة. ومع ذلك، يبقى مفهوم «العمر البيولوجي» موضوع نقاش علمي، وقد شدد الباحثون على حدود الساعات المختلفة للشيخوخة.
أظهرت نتائج الدراسة أن كل الساعات الستة سجّلت انخفاضًا في العمر البيولوجي المتوقع في مجموعات المتلقين Rentosertib، في حين أن مجموعة الدواء الوهمي أظهرت تغيرًا أقل بكثير أو في بعض الحالات زيادة طفيفة. إجمالًا، بلغت 21 حالة من 54 مقارنة أُجريت العتبة الإحصائية المسبقة التحديد، وكان أقوى الإشارة في الأسبوع الرابع.
في أحد أنظمة العلاج، أي تناول 30 ملغ من الدواء مرتين يوميًا، أظهرت 9 مقارنات انخفاضًا معنويًا في العمر البيولوجي. مع ذلك، لا ينبغي تفسير هذه الأرقام على أنها «شباب» حقيقي للمرضى.
لماذا لا يمكن بعد الحديث عن دواء مضاد للشيخوخة؟
أهم قيد في الدراسة هو أن ساعات البروتيوم لا تستطيع بمفردها تحديد ما إذا كان التغير الملاحظ ناجمًا عن تباطؤ في وتيرة الشيخوخة أم نتيجة لتحسّن المرض وتقليل الالتهاب والتليف في أجسام المرضى.
أشار الباحثون أنفسهم في الورقة إلى أن ساعات الشيخوخة البروتينية وحدها غير قادرة على تمييز التأثيرات المرتبطة بالشيخوخة عن التأثيرات الخاصة بالمرض. وللبحث في هذا الأمر، حللوا أيضًا المسارات البيولوجية المرتبطة بالشيخوخة الخلوية والتمثيل الغذائي ولاحظوا دلائل على تغيّرات محتملة مرتبطة بعمليات مضادة للشيخوخة.
من جهة أخرى، أُجريت الدراسة على مرضى مصابين بتليف رئوي، لا على أشخاص أصحاء؛ لذا لا يمكن تعميم نتائجها مباشرة على السكان العامين. كما أن التجربة الرئيسية ضمت 71 مشاركًا فقط، والتحليل الجديد اعتمد أيضًا على عينات متوفرة من نفس الدراسة.
تذكر Nature Biotechnology أن النتائج الجديدة تشير إلى أنه يمكن في التجارب السريرية لأدوية الأمراض المرتبطة بالعمر قياس مؤشرات الشيخوخة في وقت واحد؛ لكن هذه النتائج لا تثبت بعد أن Rentosertib دواء مضاد للشيخوخة للبشر.
تكمن أهمية هذا البحث أكثر في منهجيته: دواء كان هدفه الأساسي علاج مرض محدد قدّم الآن دلائل حول تأثير محتمل له على العمليات المرتبطة بالشيخوخة باستخدام أدوات القياس الجزيئية والذكاء الاصطناعي. لتحويل هذه الدلائل إلى علاج حقيقي مضاد للشيخوخة، هناك حاجة لدراسات أكبر، ومجموعات من الأصحاء، وتجارب سريرية قادرة على فصل التأثير المستقل للدواء على الشيخوخة عن تأثيره على المرض.