تسعى الصين لتحقيق التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي بينما نهجها يختلف جذريًا عن استراتيجية أمريكا.
ووفقًا لتقرير إيتنا، بينما تركز الولايات المتحدة بصورة أساسية على تطوير نماذج متفوّقة بسرعة والوصول مبكرًا إلى الذكاء الفائق، فإن الأولوية الرئيسية للسلطات الصينية هي التوسّع العميق والشامل في تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل البلاد؛ تطبيقات يمكنهم من خلالها رصد الاقتصاد ومراقبته على جميع المستويات والتحكم فيه.
يتفق البلدان على أن الدولة التي تمتلك أقوى ذكاء اصطناعي ستمسك بالسلطة، وتحدد المعايير العالمية، وستتصدر اقتصاديًا وعسكريًا في العقود القادمة. لكن من هذه النقطة فصاعدًا، تنفصل مسارات البلدين.
الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين
وثيقة الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين التي نُشرت في مارس تُظهر بوضوح استراتيجية هذا البلد. تكررت كلمة الذكاء الاصطناعي ٥٢ مرة في هذه الوثيقة، أي ما يزيد خمس مرّات عن نصف العقد الماضي، وخصص فصل كامل لموضوع القدرة الحاسوبية.
هدف الصين هو دمج الذكاء الاصطناعي في ٩٠٪ من اقتصاد البلاد بحلول عام ٢٠٣٠؛ وهي خطة لا يوجد لأمريكا ما يعادلها.
الجدير بالذكر أن الحزب الحاكم في الصين لا يقلق كثيرًا بشأن فقدان الوظائف الإدارية والمكتبية أو خطر تمرد الذكاء الاصطناعي ضد الإنسانية. القلق الرئيسي لقادة الصين هو أن يُستَخدَم الذكاء الاصطناعي يومًا ما ضد النظام الحاكم ذاته.
تشين يي شين، رئيس جهاز الاستخبارات الصيني، حذر علنًا في الأسابيع الأخيرة من قدرة الذكاء الاصطناعي على شن حروب من أجل الرأي العام و«حرب إدراكية ضد الصين» ووصف ذلك بأنه تهديد لـ«الأمن السياسي، والأمن المؤسسي، والأمن الأيديولوجي».
نقاط الضعف في الصين
استراتيجية الذكاء الاصطناعي الصينية هي في الواقع رد على تحديات داخلية جدية قلما تشير إليها في دعايتها الدولية:
- شيخوخة السكان: تراجع عدد سكان الصين للسنة الرابعة على التوالي ولدى البلاد تقريبًا عدد من المواطنين فوق ٦٠ عامًا يعادل إجمالي سكان الولايات المتحدة؛ وهو أمر يفسّر جزئيًا التركيز الشديد للصين على الروبوتات.
- بطالة الشباب المرتفعة: بلغ معدل بطالة الشباب في الصين الآن ١٩٪، أي حوالي ضعف نظيره في أمريكا.
- الفقر في المناطق غير الحضرية: أزمة الإسكان المستمرة منذ خمس سنوات وانخفاض أسعار المنازل وضعا أصل ملكية معظم الأسر تحت ضغط.
- ضعف في إنتاج الرقائق: منتجات NVIDIA لا تزال متفوقة على الرقائق الصينية وهواوي، التي تحاول أن تلعب دور NVIDIA الصين، لا تزال متأخّرة رغم الدعم الحكومي.
- الاعتماد على الصادرات: يواجه الاقتصاد الداخلي في الصين ضعفًا في الطلب المحلي بالرغم من النجاحات في تصدير السيارات الرخيصة والقطع والتكنولوجيا.
نقاط القوة في الصين
مقابل ذلك، تفوقت الصين في توفير «المواد الخام المادية» اللازمة لتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي -بما في ذلك الطاقة، والمعادن، والروبوتات، والنماذج منخفضة التكلفة واسعة الانتشار- على أمريكا:
- الطاقة: وفقًا لتقديرات بلومبرج إن إي إف، ستضيف الصين خلال السنوات الخمس المقبلة قدرة إنتاج كهرباء تقارب ستة أضعاف ما ستضيفه أمريكا.
- المعادن الحيوية: تعتبر وكالة الطاقة الدولية أن الصين متقدمة في تكرير تقريبًا جميع المواد المعدنية العشرين الأساسية لصناعة عتاد الذكاء الاصطناعي -باستثناء حالة واحدة- وتمتلك سيطرة تصديرية على نصفها.
- الروبوتات الصناعية: أكثر من نصف الروبوتات الصناعية المثبتة في العالم في عام ٢٠٢٤ ذهبت إلى الصين.
النماذج مفتوحة المصدر رخيصة: خمسة من ستة نماذج شائعة على منصة OpenRouter، السوق الرائد للذكاء الاصطناعي، مملوكة لشركات صينية.
- الاستقلالية البرية والجوية: تتقدم الصين في السيارات ذاتية القيادة والطائرات المسيرة؛ وشركة DJI وحدها تسيطر على أكثر من ٧٠٪ من السوق العالمي للمنصات المسيرة.
الفجوة التكنولوجية
بحسب تقرير أكسيوس، تتصدر الصين العالم في بناء نماذج مفتوحة المصدر منخفضة التكلفة، لكنها متأخرة بنحو ستة أشهر عن أمريكا في النماذج المتقدمة والرائدة، وذلك برأس مال أقل بكثير من استثمارات أمريكا.
نماذج مثل Kimi K3 من Moonshot، وQwen3.8-Max من علي بابا، وGLM-5.3 من Z.ai، وDeepSeek V4 هي من أهم النماذج الصينية، حيث كانت نسخة سابقة من GLM على بعض اختبارات البرمجة متأخرة بفارق نقطة واحدة فقط عن Claude Opus 4.8 من Anthropic، وذلك بتكلفة تقل عن خمس التكلفة.
اتهمت المسؤولون والشركات الأمريكية منذ وقت غير بعيد الشركات الصينية بـ«التقطير» (distillation) للنماذج؛ أي إرسال ملايين الاستفسارات السرية إلى النماذج الأمريكية وتدريب نماذجهم على الإجابات.
رغم أن واشنطن هددت بالعقوبات ووضعها على قوائم سوداء، إلا أنها لم تتخذ إجراء عمليًا حتى الآن.
الإقبال الشعبي؛ فرق واضح مع أمريكا
وفقًا للإحصاءات، يستخدم ٨٠٪ من الصينيين الذكاء الاصطناعي أسبوعيًا، في حين أن هذه النسبة في أمريكا تبلغ ٥٤٪. كما أن ٨٤٪ من الصينيين يشعرون بالحماس تجاه الذكاء الاصطناعي (وهي أعلى نسبة في العالم) بينما تبلغ هذه النسبة في أمريكا ٣٨٪.
كما أُبلغ أن مستوى الثقة العامة في الذكاء الاصطناعي في الصين بلغ ٨٧٪، في المقابل هذه النسبة في أمريكا تبلغ ٣٢٪ فقط.
مع ذلك، يحذّر بعض المحللين من أن هذا التفاؤل الظاهر قد يخفي قلقًا متزايدًا بشأن فقدان الوظائف.