الموظفون المكلفون بتحديد مخاطر النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي ومنع النتائج غير المرغوبة يواجهون تناقضًا خطيرًا: عليهم، بينما تتسارع التكنولوجيا بسرعة، تقييم العواقب المحتملة لتلك التكنولوجيا نفسها؛ وفي حين يقول بعض الموظفين والباحثين إن الفرصة الكافية لإجراء هذه الاختبارات ليست متاحة دائمًا.
تم الإبلاغ عن هذا الوضع أيضًا في معهد أمان الذكاء الاصطناعي البريطاني (AISI). هذه الهيئة الحكومية مكلفة بمراجعة قدرات ومخاطر النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي واختبار إجراءات التخفيف من المخاطر. وقد أعلن AISI أن لديه أكثر من 100 عنصر فني ويقيّم النماذج المتقدمة قبل وبعد الطرح العام.
مع ذلك، وفقًا لتقارير منشورة، ذهب بعض موظفي هذه المؤسسة في إجازات مرضية واستفادوا من خدمات الاستشارة بسبب الضغوط والتوتر المرتبط بالعمل. كما ذكرت أربع مصادر مطلعة أن ضيق الزمن لتقييم النماذج والقلق من سرعة زيادة قدرات الأنظمة الجديدة ساهما في تآكل المعنويات والاحتراق المهني لدى بعض الموظفين.
عندما تصبح السلامة «مهمة مستحيلة»
هذه الضغوط ليست محدودة بالمؤسسات الحكومية فحسب. تحدث موظفون وباحثون في شركات مثل Anthropic وOpenAI وGoogle DeepMind في الأشهر الأخيرة عن الضغوط الناجمة عن العمل في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي. كما أن بعض الباحثين البارزين غادروا شركاتهم بسبب القلق من سرعة تطوير التكنولوجيا أو اعتقادهم أن الأنظمة التي تُبنَى قد تُطرح للجمهور قبل وجود آليات حماية كافية.
وصف أحد موظفي Google DeepMind هذا الوضع نفسيًا بأنه يشبه «مهمة مستحيلة». وبحسب قوله، فإن الجهل بكيفية استخدام هذه التكنولوجيا في المستقبل، لا سيما في مجالات مثل البنى التحتية الحيوية والاستخدامات العسكرية، يمكن أن يسبب ضغطًا نفسيًا كبيرًا.
وأضاف أنه يشعر بفقدان السيطرة والقلق من احتمال أن يكون المرء بصدد بناء تكنولوجيا قد تضر الناس في ظروف معينة، وأن هذه العوامل يمكن أن تؤدي إلى الاستقالة أو إجازات طويلة الأمد.
تزايدت هذه المخاوف في وقت لم تعد فيه النماذج الجديدة مستخدمة فقط لتوليد النص أو الصورة، بل تتوسع قدراتها في مجالات مثل البرمجة والأمن السيبراني وأداء المهام متعددة المراحل والبحوث العلمية. كما أعلن AISI في برنامجه البحثي أن مجالات مثل سوء الاستخدام السيبراني والتحكم في سلوك النماذج والاستقلالية وقدرة الأنظمة على التحايل على آليات الرقابة هي من الموضوعات الرئيسية لأبحاثه.
استقالة باحثين؛ علامة على وجود فجوة في صناعة الذكاء الاصطناعي
خلال العامين الماضيين، غادر أكثر من 12 باحثًا بارزًا من ثلاثة مختبرات كبرى للذكاء الاصطناعي هي OpenAI وAnthropic وGoogle DeepMind. وقد ورد أن أسبابًا مثل القلق بشأن أولوية السلامة وسرعة تطوير النماذج والعواقب المحتملة للنشر العام للتكنولوجيا كانت من الدوافع المرتبطة ببعض هذه المغادرات.
على سبيل المثال، استقال جيكوب كاكسون، الباحث في Anthropic الذي سبق أن عمل في OpenAI، في سبتمبر 2026 من منصبه وحذر من سرعة تطوير الأنظمة المتقدمة وعدم كفاية آليات الحماية. وأدت هذه الاستقالة إلى موجة من المناقشات الداخلية بين موظفي عدة مختبرات كبرى حول ضرورة زيادة الضوابط والرقابة على تطوير الذكاء الاصطناعي.
من ناحية أخرى، أكدت Google DeepMind أن الأبحاث المتقدمة في هذا المجال تتطلب جهدًا مكثفًا، لكنها تضع رفاهية الباحثين وتوفير قنوات واضحة لإثارة المخاوف على قائمة أولوياتها. كما شددت الشركة في مواقفها الرسمية على تطوير نظم الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة وآمنة.
وأيضًا صرحت حكومة المملكة المتحدة أن العمل في طليعة أبحاث الذكاء الاصطناعي، مثل العديد من الأدوار الحكومية الأخرى، قد يكون سريعًا ومرهقًا، ولهذا السبب يُعد رفاه واستدامة الوظائف للموظفين أحد ركائز عمل AISI.
في تقريرها، ناقشت صحيفة فاينانشال تايمز هذا الضغط النفسي من خلال حوارات مع موظفين وباحثين في المجال، ووضعت ذلك في إطار قلق أوسع بشأن التنافس المتصاعد بين شركات الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، توجد تقارير أخرى تشير إلى زيادة قلق الباحثين بشأن سرعة تطوير قدرات النماذج وصعوبة إنشاء آليات رقابية تواكب تلك السرعة.
في مثل هذه الظروف، لا يقتصر الأمر على السؤال عن مدى قوة الذكاء الاصطناعي؛ بل اكتسب السؤال عن ما إذا كانت آليات السلامة والرقابة والتنظيم يمكن أن تتطور بموازاة زيادة قدرات هذه الأنظمة أهمية أكبر أيضًا.