مارك زاكربيرغ، المدير التنفيذي لشركة ميتا، على عكس عدد من كبار مديري قطاع التكنولوجيا، يعتقد أن مخاطر الذكاء الاصطناعي يمكن إدارتها بطرق هندسية تقليدية. هذا الرأي يُطرح بينما حذر مديرو شركات مثل أنثروبيك وOpenAI مرارًا من عواقب تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بسرعة.
مارك زاكربيرغ في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، قلل من المخاوف بشأن احتمال خروج الذكاء الاصطناعي عن سيطرة البشر وأكد أن هذه التكنولوجيا يمكن إدارتها من خلال آليات سلامة ورقابة روتينية.
ورفض الفكرة القائلة بوجوب اعتبار الذكاء الاصطناعي ككائن واعٍ ذو إرادة مستقلة، وقال: «أنا أقرب الآن من أي وقت مضى إلى وجهة النظر التي تعتبر الذكاء الاصطناعي تقنية يمكن إدارتها هندسيًا بإجراءات حماية عادية.»
هذه التصريحات تُظهر اختلاف الرؤى بين مديري أكبر شركات التكنولوجيا في العالم حول مدى مخاطر الذكاء الاصطناعي والسرعة المناسبة لتطوره.
خلاف زاكربيرغ مع مديري OpenAI وأنثروبيك
موقف المدير التنفيذي لميتا يختلف اختلافًا ملحوظًا عن مواقف داريو آمودي، المدير التنفيذي لأنثروبيك. آمودي سابقًا في مقال نشره على موقع شركته حذر من تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بسرعة ودعا إلى مزيد من الحذر في بناء وإطلاق هذه التقنيات.
القلق بشأن المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي لا يقتصر على أنثروبيك فقط. سام ألتمان، المدير التنفيذي لـOpenAI، ساتيا ناديلا، المدير التنفيذي لمايكروسوفت، وإيلون ماسك، المدير التنفيذي لشركة سبيس إكس ومن أبرز وجوه تطوير نموذج جروك للذكاء الاصطناعي، قد عبروا أيضًا عن ضرورة الانتباه لمخاطر هذه التكنولوجيا.
هذه المخاوف طُرحت حتى على مستوى الهيئات الدولية أيضًا. آمودي وألتمان في جلسة متصلة بمجلس الأمن للأمم المتحدة، خلال الجمعية العامة الأخيرة للمنظمة في نيويورك، حذرا من مخاطر كبيرة ناشئة عن تقدم الذكاء الاصطناعي.
مع ذلك، يعتقد زاكربيرغ أنه لا ينبغي بالضرورة تشبيه الذكاء الاصطناعي بكائن مستقل قد يعمل خارج الأطر المصممة له.
رأيان مختلفان حول مستقبل الذكاء الاصطناعي
الخلاف بين مديري وادي السيلكون يظهر أن صناعة الذكاء الاصطناعي لم تتوصل إلى توافق حول كيفية إدارة التقدم السريع لهذه التقنية. من جهة، هناك مديرون مثل آمودي وألتمان يؤكدون ضرورة تقييم المخاطر وتطوير تدابير أمان والحذر في طرح نماذج قوية.
ومن جهة أخرى، زاكربيرغ وجنسن هوانغ، المدير التنفيذي لإنفيديا، لا يوافقان على نهج قد يبطئ وتيرة تقدم الذكاء الاصطناعي.
دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، أيضًا عارض القيود التي قد تُبطئ من سرعة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي. من وجهة نظره، قد تفيد مثل هذه القيود الشركات الصينية التي تسعى لمنافسة التفوق التكنولوجي الأمريكي.
ووفقًا لتقرير ايتنا نقلاً عن فايننشال تايمز، كان لزاكربيرغ دور مهم في الاتفاق الأخير للبيت الأبيض بشأن الذكاء الاصطناعي؛ اتفاق يركز في مبادئه الأولية على ضبط ذاتي لشركات الصناعة الفاعلة.
مع ذلك، هذا النهج قوبل بانتقادات. النقاد يرون أن الاعتماد على الضبط الذاتي للشركات لا يمكن أن يحل محل إطار رسمي ودولي لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي.
هدف مختلف لميتا؛ ذكاء فائق شخصي بدلًا من التركيز على التشغيل الآلي
في هذه المقابلة، شرح زاكربيرغ أيضًا رؤية ميتا المختلفة لمستقبل الذكاء الاصطناعي.
بينما تركز العديد من الشركات الكبرى على تطوير ذكاء اصطناعي عام، التشغيل الآلي للمهام وأداء الأعمال المتخصصة، تنوي ميتا توفير تقنية تُسمى «الذكاء الفائق الشخصي» للمستخدمين.
زاركربيرغ في توضيح هذا الاختلاف قال إن معظم الشركات ركزت على الأعمال المعرفية وتشغيل المهام آليًا، بينما تركز ميتا أكثر على تمكين الأفراد.
وأكد أن هدفه تطوير منتجات يمكن أن تكون مفيدة للناس وللعالم.
وفقًا لمدير ميتا، النماذج الحالية للذكاء الاصطناعي رغم امتلاكها قدرات علمية متقدمة في مجالات معينة، لا تزال تفتقر إلى الفهم الحدسي اللازم لتصبح مساعدين شخصيين مثاليين.
من هذا المنطلق، نجاح مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يعتمد فقط على القدرة على حل المسائل العلمية أو إجراء حسابات معقدة، بل أيضًا على مدى فهمه لاحتياجات المستخدمين ومساعدتهم بفاعلية في حياتهم اليومية.
منافسة نماذج Muse الجديدة مع OpenAI وأنثروبيك
في إطار تنفيذ هذه الاستراتيجية، طورت ميتا جيلًا جديدًا من نماذج الذكاء الاصطناعي باسم Muse.
أحد هذه النماذج المُسماة Muse Wander عُرض، وبحسب الشركة صُمم لأداء مهام معقدة في العالم الحقيقي.
من بين التطبيقات المذكورة لهذا النموذج فحص وفهم عقود الإيجار، تحليل المعلومات المالية وتفسير البيانات المتعلقة بصحة المستخدمين.
كما قارن زاكربيرغ أداء نماذج ميتا الجديدة مع منتجات متقدمة من OpenAI وأنثروبيك.
بناءً على نتائج اختبارات فنية داخلية لدى ميتا، تزعم الشركة أن Muse Wander يقدم أداءً أفضل في بعض المهام مقارنة بنماذج منافسيها.
طبعًا هذه التقييمات مبنية على اختبارات أعلنتها ميتا نفسها وليست دليلاً قاطعًا على تفوق شامل لهذا النموذج مقارنة بالمنافسين.
الإقبال الكبير على تطبيق Muse
التطبيق Muse الذي أُطلق مؤخرًا أصبح أحد منتجات ميتا الناجحة في سوق المساعدين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي. وفقًا لتقرير منشور، كان هذا التطبيق عند إعداد التقرير في صدارة قائمة التطبيقات الأكثر تنزيلًا في متاجر آبل وأندرويد في الولايات المتحدة.
كما قدّمت ميتا شخصية اسمها «جولي» (Julie) وأرفقت بها جهازًا مخصصًا.
صُمم هذا الجهاز لتوفير اتصال سريع ومباشر بين المستخدمين والمساعد الذكي لكي يطرحوا طلباتهم بسهولة ويسندوا إليه أداء مهام متنوعة.
تغيير استراتيجية ميتا بعد استثمارات كبيرة
إطلاق نماذج Muse الجديدة يأتي في سياق استثمارات واسعة قامت بها ميتا في تطوير مراكز بيانات وجذب خبراء في الذكاء الاصطناعي.
الشركة الآن تنوي اتباع نهج مختلف في طرح أحدث نماذجها.
وفقًا للتقرير المنشور، تسعى ميتا إلى إبقاء النماذج الجديدة مغلقة وخاصة وعدم جعلها مفتوحة المصدر، وتقصر الوصول إلى أقوى نسخها على العملاء التجاريين.
قد تشير مثل هذه الخطوة إلى ابتعاد ميتا عن نهجها السابق في نشر نماذج مفتوحة والانتقال نحو نموذج تجاري مشابه للشركات مثل OpenAI وأنثروبيك.
بالمجمل، مواقف زاكربيرغ الأخيرة توضح أنه بدلاً من إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي بسبب القلق من مخاطر محتملة، يؤكد على استمرار تقدم هذه التكنولوجيا مع تدابير أمان هندسية.
مع ذلك، يبقى الخلاف حول مدى استقلالية النماذج المتقدمة، مخاطرها المحتملة ودور الحكومات في مراقبة تطوير الذكاء الاصطناعي واحدًا من أهم نقاشات صناعة التكنولوجيا.