نجح باحثو جامعة ولاية بنسلفانيا في تطوير ذاكرة إلكترونية هجينة تجمع بين الحمض النووي الاصطناعي ونصف موصل من البيروسكايت، ويمكنها إجراء التخزين والمعالجة في موضع واحد. وبحسب الباحثين، هذه التكنولوجيا تحتاج إلى نحو واحد بالمائة من الطاقة مقارنة بالنماذج المماثلة وقد تساعد مستقبلاً في تطوير جيل جديد من الأجهزة منخفضة الاستهلاك للذكاء الاصطناعي.
الحمض النووي؛ ذاكرة فائقة الكثافة لتخزين البيانات
الحمض النووي ليس حاملاً للمعلومات الوراثية للكائنات الحية فحسب، وبفضل الكثافة الهائلة للمعلومات فيه فقد جذب انتباه الباحثين في مجال تخزين البيانات لعقود.
وفقاً للتقديرات النظرية، يمكن لغرام واحد من الحمض النووي أن يحوي حوالي ٢١٥ مليون غيغابايت من البيانات. مثل هذه السعة جعلت من الحمض النووي خياراً جذاباً لتخزين كميات هائلة من البيانات التي تتزايد مع توسع الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.
مع ذلك، يواجه استخدام الحمض النووي في الأجهزة الإلكترونية عقبة أساسية: فالحمض النووي مادة حية وخصائصه الكهربائية تختلف كثيراً عن المواد المستخدمة في الدوائر الإلكترونية.
لحل هذه المشكلة، أنشأ باحثو جامعة ولاية بنسلفانيا بنية هجينة تجمع مادتين مختلفتين: حمض نووي اصطناعي وبيروسكايت بلوري.
دمج الحمض النووي الاصطناعي مع البيروسكايت
الحمض النووي الاصطناعي المستخدم في هذه الدراسة يتألف من جزيئات كيميائية مصممة. وعلى عكس الحمض النووي الطبيعي، يمكن التحكم بدقة أكبر على المستوى الجزيئي في طول وبنية هذه السلاسل القصيرة.
المادة الثانية هي البيروسكايت البلوري؛ وهو نوع من أشباه الموصلات يُستخدم أيضاً في مجالات مثل الخلايا الشمسية والليزرات.
الفكرة الرئيسية في البحث هي دمج قدرة الحمض النووي على تكوين هياكل كثيفة وقابلة للتصميم مع الخصائص الكهربائية للبيروسكايت. والنتيجة مادة هجينة يمكن استخدامها في تصنيع ذواكر إلكترونية منخفضة الاستهلاك.
لكن لكي يلعب الحمض النووي الاصطناعي دوراً أكثر فاعلية في توصيل التيار، عدله الباحثون بجسيمات فضية نانوية. هذه العملية المعروفة بالتفعيل functionalization زادت من موصلية الحمض النووي وساعدت على تنظيم الوحدات الجزيئية بشكل أفضل.
بعد ذلك، تم دمج الحمض النووي المعدل بالمعدن مع أغشية البيروسكايت فتشكّلت بنية تسمح بمرور التيار الكهربائي داخل الجهاز.
مِمريستور يتذكّر حالته السابقة
استخدم الباحثون هذه البنية الهجينة لصنع مِمريستور؛ وهو مكوّن إلكتروني يمكنه الاحتفاظ بحالته السابقة ويخلق شكلاً من أشكال الذاكرة داخل الدائرة. في هذا الجهاز، يؤدي تغيير اتجاه التيار الكهربائي إلى تغيير حالة المِمريستور. والنقطة المهمة أن الجهاز يمكنه الحفاظ على هذه الحالة حتى بعد انقطاع مصدر الطاقة.
قد تكون هذه الخاصية ذات أهمية كبيرة في البُنى الحاسوبية الجديدة؛ لأن البيانات في مثل هذا التصميم يمكن أن تُخزن في نفس المكان الذي تُعالج فيه، فلا حاجة لنقل المعلومات باستمرار بين الذاكرة والمعالج.
تقليل هذه التحركات للبيانات قد يؤدي إلى خفض استهلاك الطاقة وزيادة كفاءة أنظمة الحوسبة.
أداء مستقر عند درجات حرارة عالية
أظهرت التجارب على هذا الجهاز أن الإلكترونات يمكنها التحرك بصورة موثوقة داخل البنية الهجينة عند تطبيق جهد أقل من ٠٫١ فولت. كما أن الجهاز أظهر استجابة متوقعة عند تغيير اتجاه التيار.
كانت الاستقرار الحراري أيضاً نتيجة ملحوظة في هذه التجارب. وبحسب الباحثين، حافظ الجهاز على أداءه عند درجة حرارة تقارب ١٢١ درجة مئوية واستمر في العمل لأكثر من ستة أسابيع في درجة حرارة الغرفة.
استهلاك طاقة أقل بحوالي ١٠٠ مرة
أهم استنتاج في هذا البحث يتعلق بكفاءة الطاقة. يقول الباحثون إن المِمريستور الهجين لديهم يمكن أن يؤدي وظائف مماثلة للتقنيات المقارنة مع نحو واحد بالمائة من الطاقة؛ بعبارة أخرى، استهلاكه للطاقة أقل بحوالي ١٠٠ مرة.
كما يعتقد الباحثون أن هذه البنية من حيث سعة التخزين قد تتفوق في بعض الحالات على تقنيات التخزين التقليدية مثل الفلاش.
إذا حفظت هذه الخصائص عند التكبير إلى مقاييس أكبر، فقد تصبح التكنولوجيا الجديدة مهمة لمراكز البيانات والأنظمة الحاسوبية الثقيلة؛ خاصة في ظل النمو الكبير لحجم البيانات واستهلاك الطاقة نتيجة توسع الذكاء الاصطناعي.
لماذا هذه التكنولوجيا مهمة للذكاء الاصطناعي؟
أحد التحديات الرئيسية للأجهزة المستخدمة في الذكاء الاصطناعي هو نقل كميات هائلة من البيانات بين الذاكرة والمعالج. كل نقل للبيانات يتطلب طاقة ومع تزايد حجم الحوسبة تزداد تكلفة الطاقة لهذا النقل.
لهذا السبب، سعى الباحثون في السنوات الأخيرة إلى بنى تقرّب بين الذاكرة والمعالجة أو حتى تنفذ العمليتين في مكان واحد.
يمكن أن تكون المِمريستورات الهجينة في هذا السياق خياراً محتملاً للحوسبة الشبه عصبية (neuromorphic). يسعى هذا المجال إلى تقريب بنية أنظمة الحوسبة من طريقة عمل شبكات المخ العصبية.
لا تزال هناك مسافة قبل دخولها الحواسب
رغم النتائج الواعدة، لا تزال التكنولوجيا الجديدة في مراحلها الأولى من التطوير ولا يمكن اعتبارها بديلاً جاهزاً لذاكرات اليوم.
ينوي الباحثون تحسين أداء الجهاز، وفحص استقراره وقدراته بشكل أوسع، واكتشاف تطبيقات أخرى لاستخدام المواد الموحاة من الأحياء في الأجهزة الإلكترونية.
ولا تقتصر أهمية هذا البحث على «استخدام الحمض النووي في الحواسب» فحسب. الابتكار الرئيسي هو استخدام الحمض النووي الاصطناعي كجزء من مادة إلكترونية هجينة؛ بنية يمكنها دمج خصائص التخزين الكثيف للحمض النووي مع القدرات الكهربائية لأشباه الموصلات.
في حال نجاح الأبحاث اللاحقة، قد يفتح هذا النهج طريقاً جديداً لصنع ذواكر منخفضة الاستهلاك وأجهزة مناسبة للجيل القادم من الذكاء الاصطناعي؛ طريق تقرب فيه البيولوجيا وعلوم المواد والهندسة الإلكترونية أكثر من أي وقت مضى.