نجح باحثون من جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة في تطوير نظام عصبي ذكي يقوم، باستخدام الذكاء الاصطناعي، بتحليل نشاط الدماغ وإرسال نبضات كهربائية مخصصة تساعد على تحسين أداء الذاكرة. يمكن لهذه التكنولوجيا أن تفتح مسارًا جديدًا لعلاج اضطرابات الذاكرة الناشئة عن الإصابات الدماغية الرضية.
هذه التكنولوجيا المسماة «نظام التحفيز العصبي الذكي» (SNS) طورتها شركة جامعية باسم «نيا ثيرابيوتكس». كما قدمت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) هذه التكنولوجيا باعتبارها «جهازًا رائدًا»؛ وهو لقب مُنح لأول مرة لعلاج مزروع يهدف إلى مواجهة هذا النوع من الاضطرابات.
شريحة تحلل نشاط الدماغ بالذكاء الاصطناعي
يقوم نظام SNS بمراقبة أنماط النشاط العصبي لتحديد الأوقات التي يكون فيها الدماغ أكثر استعدادًا للتعلّم أو استرجاع المعلومات، ثم يرسل نبضات كهربائية ملائمة لحالة كل فرد إلى الدماغ.
مايكل كاهانا، مؤسس نيا ثيرابيوتكس وأستاذ علم النفس في جامعة بنسلفانيا، أعلن أن هذه التكنولوجيا جاهزة للدخول في مرحلة التجارب السريرية.
دانيال ريزوتو، أحد مؤسسي الشركة أيضًا، يرى أن تكنولوجيا كانت في زمن ما أقرب إلى قصص الخيال العلمي أصبحت الآن بدعم من الأبحاث العلمية ونتائج التجارب البشرية تكنولوجيا قابلة للإثبات.
من أين نشأت فكرة شريحة الذاكرة؟
ترجع جذور هذه التكنولوجيا إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي؛ حين زار كاهانا قسم جراحة المخ والأعصاب في مستشفى الأطفال ببوسطن. في هذا القسم، كان المرضى المصابون بالصرع يخضعون للمراقبة باستخدام أقطاب مزروعة في الدماغ.
خلال تلك الزيارة لاحظ كاهانا كمية كبيرة من البيانات العصبية التي تُسجل عندما يلعب المرضى ألعاب الفيديو، لكن بسبب قيود سعة التخزين كان جزء كبير من هذه البيانات يُحذف يوميًا.
كانت تلك التجربة بداية بحث استمر لعقود لدراسة سؤال ما إذا كان بالإمكان، عبر تحليل نشاط الدماغ، التنبؤ بالأوقات التي يكون فيها الفرد أكثر احتمالًا لتذكر المعلومات أو نسيانها.
مع تقدم خوارزميات تعلم الآلة، تمكن الباحثون من دراسة العلاقة بين أنماط النشاط العصبي المعقدة وسلوك الإنسان بدقة أكبر. كما ساعدتهم هذه الأبحاث على فهم اختلاف استجابة الأفراد للتحفيز الكهربائي في الدماغ بشكل أفضل.
تحسن بنسبة 19 في المئة في الذاكرة بعد إصابة دماغية
بدأت هذه المجموعة البحثية مشروعًا في عام 2014 بهدف دراسة إمكانية استرجاع وتقوية الذاكرة. تدريجيًا قدمت نتائج هذه الأبحاث دلائل واعدة حول قدرة التحفيز الكهربائي للدماغ على تحسين الذاكرة.
أظهرت دراسة نُشرت في يناير 2023 أن استخدام هذه الطريقة يمكن أن يُحسّن أداء الذاكرة لدى أشخاص تعرضوا لإصابات دماغية متوسطة إلى شديدة بنحو 19 في المئة.
في دراسة أخرى أُجريت في عام 2024 أبلغ الباحثون عن تحسّن يقارب 28 في المئة في أداء الذاكرة لدى مرضى الصرع؛ وهم مرضى زُرعت لديهم أقطاب قرب مسارات المادة البيضاء في أدمغتهم.
يقول ريزوتو إن هذه الطريقة يمكن أن تُسهم في استعادة القدرات الذاكرية للمرضى عبر تعويض جزء من التراجع في الوظائف المعرفية الناجم عن الإصابة الدماغية.
الخطوة التالية؛ الاختبار على المرضى
يرى كاهانا أن أهمية هذه التكنولوجيا لا تقتصر على علاج اضطرابات الذاكرة فقط. بحسب قوله، يمكن أن يعمل نظام SNS أيضًا كمنصة لتسجيل وتحليل كميات هائلة من البيانات العصبية؛ بيانات قد تساعد مستقبلًا في تطوير طرق جديدة لفهم الدماغ وعلاج الاضطرابات العصبية.
مع دخول هذه التكنولوجيا مرحلة التجارب السريرية، يبحث الباحثون الآن في تقييم السلامة والفعالية وأداءها في ظروف العلاج الواقعية بشكل أدق. إذا نجحت هذه التجارب، قد تصبح الأنظمة العصبية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أحد المسارات المهمة مستقبلًا لعلاج اضطرابات الذاكرة والإصابات الدماغية.